تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 140

مساهمون:

ص١٤٠
بذلك وسكنت ، وخرجت في العام المقبل ، خرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى مكة في ذي القعدة سنة سبع ، ودخلها ثلاثة أيام هو وأصحابه ، وصدقت رؤياه صلى اللّه عليه وسلم . وقوله :
فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا
يريد ما قدره من ظهور الإسلام في تلك المدة ودخول الناس فيه ، وما كان أيضا بمكة من المؤمنين دفع اللّه بهم . وقوله تعالى :
مِنْ دُونِ ذلِكَ
، أي من قبل ذلك وفيما يدنو إليكم . واختلف الناس في الفتح القريب ، فقال كثير من الصحابة : هو بيعة الرضوان وروي عن مجاهد وابن إسحاق . أنه الصلح بالحديبية . وقد روي أن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه قال للنبي صلى اللّه عليه وسلم : أو فتح هو يا رسول اللّه ؟ قال : نعم . وقال ابن زيد : الفتح القريب : خيبر حسبما تقدم من ذكر انصراف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى فتحها . وقال قوم : الفتح القريب : فتح مكة ، وهذا ضعيف ، لأن فتح مكة لم يكن من دون دخول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه مكة ، بل كان بعد ذلك بعام ، لأن الفتح كان سنة ثمان من الهجرة ويحسن أن يكون الفتح هنا اسم جنس يعم كل ما وقع مما للنبي صلى اللّه عليه وسلم فيه ظهور وفتح عليه . وقد حكى مكي في ترتيب أعوام هذه الأخبار عن قطرب قولا خطأ جعل فيه الفتح سنة عشر ، وجعل حج أبي بكر قبل الفتح ، وذلك كله تخليط وخوض فيما لم يتقنه معرفة . وقوله عزّ وجل :
هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ
الآية تعظيم لأمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وإعلام بأنه يظهره على جميع الأديان . ورأى بعض الناس لفظة :
لِيُظْهِرَهُ
تقتضي محو غيره به ، فلذلك قالوا : إن هذا الخبر يظهر للوجود عند نزول عيسى ابن مريم عليه السلام ، فإنه لا يبقى في وقته غير دين الإسلام وهو قول الطبري والثعلبي . ورأى قوم أن الإظهار هو الإعلاء وإن بقي من الدين الآخر أجزاء ، وهذا موجود الآن في دين الإسلام ، فإنه قد عم أكثر الأرض وظهر على كل دين . وقوله تعالى :
وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً
معناه : شاهدا ، وذلك يحتمل معنيين : أحدهما شاهدا عندكم بهذا الخبر ومعلما به . والثاني : شاهدا على هؤلاء الكفار المنكرين أمر محمد الرادين في صدره ومعاقبا لهم بحكم الشهادة ، والآية على هذا وعيد للكفار الذين شاحوا في أن يكتب محمد رسول اللّه ، فرد عليهم بهذه الآية كلها . وقوله تعالى :
مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ
قال جمهور الناس : هو ابتداء وخبر استوفي فيه تعظيم منزلة النبي صلى اللّه عليه وسلم . وقوله : و
الَّذِينَ مَعَهُ
ابتداء وخبره :
أَشِدَّاءُ
و
رُحَماءُ
خبر ثان . وقال قوم من المتأولين :
مُحَمَّدٌ
« ابتداء » و :
رَسُولُ اللَّهِ
صفة له
وَالَّذِينَ
عطف عليه . و :
أَشِدَّاءُ
خبر عن الجميع . و :
رُحَماءُ
خبر بعد خبر ، ففي القول الأول اختص النبي صلى اللّه عليه وسلم بوصفه وهؤلاء بوصفهم ، وفي القول الثاني اشترك الجميع في الشدة والرحمة . قال القاضي أبو محمد : والأول عندي أرجح ، لأنه خبر مضاد لقول الكفار لا نكتب محمد رسول اللّه . وقوله :
وَالَّذِينَ مَعَهُ
إشارة إلى جميع الصحابة عند الجمهور ، وحكى الثعلبي عن ابن عباس أن