الثاني - أنّ اللّه سبحانه ربط آخر الآية بأولها ، وجعل بيانها عند تمامها ، فقال :
كتب عليكم القصاص في القتلى الحرّ بالحرّ ، والعبد بالعبد ، والأنثى بالأنثى ، فإذا نقص العبد عن الحرّ بالرّق ، وهو من آثار الكفر ، فأحرى وأولى أن ينقص عنه الكافر .
الثالث - أنّ اللّه سبحانه وتعالى قال :
فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ [ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ ]
« 1 » ؛ ولا مؤاخاة بين المسلم والكافر ؛ فدلّ على عدم دخوله في هذا القول .
فقال الزوزنى : بل ذلك دليل صحيح ، وما اعترضت به لا يلزمني منه شيء .
أما قولك : إن اللّه تعالى شرط المساواة في المجازاة فكذلك أقول . وأما دعواك أن المساواة بين الكافر والمسلم في القصاص غير معروفة « 2 » فغير صحيح ؛ فإنهما متساويان في الحرمة التي تكفى في القصاص ، وهي حرمة الدّم الثابتة على التأبيد ؛ فإن الذمىّ محقون الدم على التأييد ، والمسلم محقون الدم على التأبيد ، وكلاهما قد صار من أهل دار الإسلام ، والذي يحقّق ذلك أنّ المسلم يقطع بسرقة مال الذمىّ ؛ وهذا يدل على أنّ مال الذّمى قد ساوى مال المسلم ؛ فدلّ على مساواته لدمه ؛ إذ المال إنما يحرم بحرمة مالكه .
وأما قولك : إن اللّه تعالى ربط آخر الآية بأولها فغير مسلّم ؛ فإن أول الآية عامّ وآخرها خاصّ ، وخصوص آخرها لا يمنع من عموم أولها ؛ بل يجرى كلّ على حكمه « 3 » من عموم أو خصوص .
وأما قولك : إن الحرّ لا يقتل بالعبد ، فلا أسلّم به ؛ بل يقتل به عندي قصاصا ، فتعلّقت بدعوى لا تصحّ لك .
وأما قولك : فمن عفى له من أخيه شيء ، يعنى المسلم ، فكذلك أقول ، ولكن هذا خصوص في العفو ؛ فلا يمنع من عموم ورود القصاص ، فإنهما قضيّتان متباينتان ؛ فعموم إحداهما لا يمنع من خصوص الأخرى ، ولا خصوص هذه يناقض عموم تلك . وجرت في ذلك مناظرة عظيمة حصلنا منها فوائد جمّة أثبتناها في نزهة الناظر ، وهذا المقدار يكفى هنا منها .
المسألة الرابعة - قوله تعالى :
الْحُرُّ بِالْحُرِّ
. تعلّق أصحابنا على أصحاب أبي حنيفة بهذا التنويع والتقسيم على أنّ الحرّ لا يقتل بالعبد ؛ لأن اللّه تعالى بيّن نظير الحرّ ومساويه
هامش
( 1 ) من م .
( 2 ) في م : معدومة .
( 3 ) في م : كلمة .