قال القاضي رضوان اللّه عليه وعلى الصديقة الطاهرة : لقد وفت ما حملها ربّها من العهد في قوله « 1 » :
وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ
. ولقد خرجت في ذلك عن العهد . وهذا كان شأنها مع سودة بنت زمعة « 2 » لما أسنّت أراد النبىّ صلّى اللّه عليه وسلّم أن يطلقها فآثرت الكون مع زوجاته . فقالت له : أمسكني واجعل يومى لعائشة ، ففعل صلّى اللّه عليه وسلّم وماتت وهي من أزواجه .
وقد صرح ابن أبي مليكة بذلك فقال : نزلت هذه الآية في عائشة . وفي هذه الآية ردّ على الرّعن الذين يرون الرجل إذا أخذ شباب المرأة وأسنت لا ينبغي له أن يتبدّل بها ، فالحمد للّه الذي رفع حرجا وجعل من هذه الضيقة مخرجا .
الآية الرابعة والخمسون - قوله تعالى « 3 » :
وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً
.
فيها ثلاث مسائل :
المسألة الأولى - قال الأستاذ أبو بكر : في هذه الآية دليل على جواز تكليف ما لا يطاق ، فإن اللّه سبحانه كلّف الرجال العدل بين النساء ، وأخبر أنهم لا يستطيعونه ، وهذا وهم عظيم ، فإن الذي كلّفهم من ذلك هو العدل في الظاهر الذي دلّ عليه بقوله « 4 » :
ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا
.
وهذا أمر مستطاع ، والذي أخبر عنهم أنهم لا يستطيعونه لم يكلّفهم قطّ إياه ؛ وهو النسبة في ميل النفس ؛ ولهذا كان النبىّ صلّى اللّه عليه وسلّم يعدل بين نسائه في القسم ، ويجد نفسه أميل إلى عائشة في الحبّ ،
فيقول : اللهم هذه قدرتي فيما أملك ، فلا تسألني في الذي تملك ولا أملك
- يعنى قلبه ، والقاطع لذلك الحاسم لهذا الإشكال أنّ اللّه سبحانه قد أخبر بأنه رفع الحرج عنّا في تكليف ما لا نستطيع فضلا ، وإن كان له أن يلزمنا إياه حقا وخلقا .
المسألة الثانية - قال محمد بن سيرين : سألت عبيدة عن هذه الآية فقال : هو الحبّ والجماع
هامش
( 1 ) سورة الأحزاب ، آية 34
( 2 ) ابن كثير : 1 - 562
( 3 ) الآية التاسعة والعشرون بعد المائة .
( 4 ) سورة النساء ، آية 3