وأما قوله : إنّ إيجابه ليس ضرورة للإسقاط بخلاف عتق القريب فإن إيجابه هناك ضرورة العتق .
قلنا : وإيجابه الصداق ها هنا ضرورة الحل ؛ إذ جعله اللّه علما على الفرق بين النكاح والسفاح ، ونصّ على إيجابه في كلّ نكاح على اختلاف أنواع الناكحين من ملك أو مملوك ؛ فيجب للأمة ، ثم يجب للسيد منها ، وليس يستحيل أنّ يجب للسيد على العبد حق ، فلا تغر غرورا بما لا تحصيل فيه ولا منفعة له . وهلّا قلتم : يجب للأمة على العبد ، ثم يجب للسيد من الأمة ، ثم يسقط ؛ وسقوط الحق بانتقاله من محلّ إلى محل ليس غريبا في مسائل القصاص والشفعة والديون .
وأما قوله : إنّ العتق لا يتصوّر بدون الملك ، فكذلك لا يتصوّر الحلّ في النكاح بغير صداق .
وأما قولك : إنّ القول عاد إلى أنّ العبد لا يملك فيا حبذا عوده إلى هذا الأصل الذي ظهرنا فيه عليكم ، والحمد للّه .
المسألة الثانية - قوله تعالى :
بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ
دليل على أنّ المملوكة لا تنكح إلا بإذن أهلها ، وكذلك العبد لا ينكح إلا بإذن أهله وسيّده .
وذلك لأنّ العبد مملوك لا أمر له ، وبدنه كله مستغرق بحقّ السيد ؛ لكن الفرق بينهما أنّ الأمة إذا تزوّجت بغير إذن أهلها فسخ النكاح ولم يجز بإجازة السيد ، وإذا جوّز السيّد نكاح العبد جاز لأنّ نقصان الأنوثة في الأمة يمنع من انعقاد النكاح البتة على ما بيّناه في سورة البقرة .
فإن قيل : فهل يجوز نكاحها بإذن أهلها وإن لم يباشر السيد العقد .
قلنا : نعم ، يجوز ؛ ولكن لا تباشره هي ، بل يتولّاه من تولّاه .
وقد روى ابن جريج وغيره عن عبد اللّه بن محمد بن عقيل عن جابر بن عبد اللّه - أنّ النبىّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال : أيما عبد تزوّج بغير إذن مواليه فهو عاهر . خرجه الترمذي .
وقال : هو حسن .
وحديث يرويه ابن جريج عن ابن عقيل عن جابر ينبغي أن يكون صحيحا .