فنسخت بخمس معلومات ، فتوفّى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهنّ مما يقرأ من القرآن ، فقال بها جماعة منهم الشافعي .
ورأى مالك وأبو حنيفة الأخذ بمطلق القرآن ، وهو الصحيح ؛ لأنه عمل بعموم القرآن وتعلّق به ، وقد قوى ذلك بأنه من باب التحريم في الأبضاع والحوطة على الفروج ؛ فقد وجب القول به لمن يرى العموم ومن لا يراه ، وقد رام بعض حذّاق الشافعية وهو الإمام الجويني أن يبطل التعلّق بهذا العموم ؛ قال : لأنه سيق ليتبيّن به وجه التحريم في المحرمات ، ولم يقصد به التعميم ، وإنما يصحّ القول بالعموم إذا سبق قصدا للعموم ؛ وذلك يعلم من لسان العرب .
قال القاضي : يا للّه وللمحققين من رأس التحقيق الجويني ، يأتي بهذا الكلام في غير موضعه ، وقد علم كلّ ناظر في الفقه شاد أو منته « 1 » - أن المحرمات كلها في الآية جاءت مجيئا واحدا في البيان في مقصود واحد ، فلو جاز لقائل أن يقول : إنه لا يحمل على العموم قوله :
وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ
لما حمل أيضا على العموم قوله :
أُمَّهاتُكُمْ
فيرتقى بهنّ إلى الجدّات ، ولا بناتكم فيحطّ بهنّ إلى بنات البنات ، وقد رأى أنهنّ لم يعمهنّ في الميراث وعمهنّ ها هنا في التحريم ، وكذلك قوله تعالى :
وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ
كان ينبغي ألا يحمل على العموم أيضا ؛ لأنه لم يقصد به كما قال سياق العموم ، وكان ذلك لو قلنا به سيبا لخرم قاعدة الآية . وقد بينت ذلك في التلخيص والتمحيص .
وأما الأحاديث المتقدمة فلا متعلّق فيها .
أمّا حديث عائشة فهو أضعف الأدلة ؛ لأنها قالت : كان مما نزل من القرآن ولم يثبت أصله فكيف يثبت فرعه ؟
وأما حديث الإملاجة [ 136 ] فمعناه كان من المصّ والجذب مما لم يدرّ معه لبن ويصل إلى الجوف . ويتحقّق وصول اللبن إلى الجوف ، فقليله وكثيره سواء ، بنصّ القرآن وبنصّ الحديث
في قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : أرضعتنى وأبا سلمة ثويبة
، فإذا مصّ لبنها وحصل في جوفه فهي مرضعة ، وهي أمّه ، وهي داخلة بالآية بلا مرية . واللّه أعلم .
هامش
( 1 ) في الأصول : شادى ومنتهى .