الثاني - أن لفظ أفعل صالح للندب صلاحيته للفرض ، والرديء منهىّ عنه في النفل ، كما هو منهىّ عنه في الفرض ، إلا أنه في التطوّع ندب في « أفعل » مكروه في « لا تفعل » « 1 » وفي الفرض واجب في « أفعل » حرام في « لا تفعل » « 2 » .
المسألة الثالثة - قوله تعالى :
وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ
.
قال بعض علمائنا : هذا دليل على أنّ الآية في الفرض ؛ لأنّ قوله تعالى :
بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا
لفظ يختصّ بالدّيون التي لا يتسامح في اقتضاء الرديء فيها عن الجيّد ، ولا في أخذ المعيب عن السليم ، إلّا بإغماض ، وهذه غفلة ؛ فإنها لو كانت نازلة في الفرض لما قال : ولستم بآخذيه إلّا أن تغمضوا فيه ، لأنّ الرديء والمعيب لا يجوز أخذه في الفرض بحال ، لا مع تقدير الإغماض ولا مع عدمه ، وإنما يؤخذ بإغماض في النفل .
المسألة الرابعة - قوله تعالى :
مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ
قال علماؤنا : قوله تعالى :
ما كَسَبْتُمْ
يعنى التجارة ،
وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ
يعنى النبات .
وتحقيق هذا أنّ الاكتساب على قسمين : منها ما يكون من بطن الأرض وهو النباتات كلّها ، ومنها ما يكون من المحاولة على الأرض كالتجارة والنتاج والمغاورة في بلاد العدو ، والاصطياد ؛ فأمر اللّه تعالى الأغنياء من عباده بأن يؤتوا الفقراء مما آتاهم على الوجه الذي فعله رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم .
المسألة الخامسة - قال أصحاب أبي حنيفة : هذا يدلّ على وجوب الزكاة في كل نبات من غير تقدير نصاب ولا تخصيص بقوت ، وعضدوه
بقوله صلّى اللّه عليه وسلّم « 3 » : فيما سقت السماء العشر ، وفيما سقى بنضح أو دالية نصف العشر .
وهذا لا متعلّق فيه من الآية ؛ لأنها إنما جاءت لبيان محلّ الزكاة لا لبيان نصابها ، أو مقدارها ،
وقد بيّن النبىّ صلّى اللّه عليه وسلّم النّصب بقوله « 4 » : ليس فيما دون خمس ذود
هامش
( 1 - 2 ) المراد صيغة الأمر والنهى .
( 3 ) ابن ماجة : صفحة 581
( 4 ) ابن ماجة ، صفحة 571 ، ومسلم : 675