على الاغتسال في الجملة ؛ فأىّ فرق بين اللفظين أو المسألتين ؟
ويدلّ عليهما من طريق المعنى أن نقول : الحيض معنى يمنع الصوم ؛ فكان الطهر الوارد فيه محمولا على جميع الجسد أصله الجنابة .
وأما داود فإنا لم نراع خلافه ؛ لأنه إن كان يقول بخلق القرآن ويضلّل أصحاب محمد في استعمالهم القياس كفّرناه ؛ فإن راعينا إشكال سؤاله قلنا : هذا الكلام هو عكس الظاهر ؛ لأن اللّه تعالى قال :
حَتَّى يَطْهُرْنَ
وهذا ضمير النساء ؛ فكيف يصحّ أن يسمع اللّه تعالى يقول
حَتَّى يَطْهُرْنَ
فيقول : إنّ وطأها جائز ، مع أنّ الطهارة عليها واجبة ؛ فيبيح الوطء قبل وجود غايته التي علّق جواز الوطء عليها . واعتبر ذلك بعطف قوله تعالى :
وَلا تَقْرَبُوهُنَّ
؛ على قوله تعالى :
فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ
تجده صحيحا ؛ فإن كان المراد اعتزلوا جملة المرأة كان قوله تعالى :
وَلا تَقْرَبُوهُنَّ
عامّا فيها ، فيكون قوله تعالى :
حَتَّى يَطْهُرْنَ
راجعا إلى جملتها ، وإن كان المراد بقوله تعالى :
فَاعْتَزِلُوا
أسفلها من السرّة إلى الركبة وجب عليه أن يقول : حتى يطهر ذلك الموضع كلّه ؛ ولا يصح له ؛ لأنه كان نظام الكلام لو أراد ذلك حتى يطهّرنه ، وكذلك لو كان المراد فاعتزلوا الفرج سواء بسواء .
فإن قيل : قال اللّه تعالى :
قُلْ هُوَ أَذىً
، فإذا زال الأذى جاز الوطء .
قلنا : عنه جوابان :
أحدهما - أنه لو كان الاعتبار بزوال الأذى ما وجب غسل الفرج عندك ، لأنّ الأذى قد زال بالجفوف أو القصّة البيضاء « 1 » ، فغسل الفرج إذ ذاك يكون وقد زالت العلّة [ 87 ] ولم يبق له أثر ، فلا فائدة فيه ، فدلّ أنّ الاعتبار بحكم الحيض لا بوجوده .
الثاني - أنه علّل بكونه أذى ، ثم منع القربان حتى تكون الطهارة من الأذى ، وهذا بيّن .
المسألة الثامنة عشرة - قوله تعالى :
فَأْتُوهُنَّ
.
معناه فجيئوهن ، أو يكون ذلك كناية عن الوطء ، كما كنّى عنه بالملامسة في قول ابن عباس : إنّ اللّه حيىّ كريم يعفو ويكنى ، كنّى باللمس عن الجماع .
هامش
( 1 ) القصة البيضاء : أن تخرج القطنة أو الخرقة التي تحتشي بها الحائض كأنها قصة لا يخالطها صفرة .
وقيل : القصة : شيء كالخيط الأبيض يخرج بعد انقطاع الدم كله ( النهاية ) .