إنما هي بين الجائزين ، لا بين الجائز والممتنع ، ولا بين المتضادّين ؛ ألا ترى أنك لا تقول :
العسل أحلى من الخلّ . والجواب عنه من ثلاثة أوجه :
الأول - أنه تجوز المخايرة بين المتضادّين لغة وقرآنا ؛ لأنّ اللّه تعالى قال « 1 » :
أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا
. ولا خير عند أهل النار .
وقال عمر رضى اللّه عنه في رسالته إلى أبى موسى : الرجوع إلى الحقّ خير من التمادي في الباطل .
الثاني - أنه تعالى قال :
وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ
، ثم لما لم يجز نكاح العبد المشرك للمؤمنة كذلك لا يجوز نكاح المسلم للمشركة ؛ إذ لو دلّ أحد القسمين على المراد لدلّ الآخر على مثله ؛ لأنهما إنما سيقتا في البيان مساقا واحدا .
الثالث - قوله تعالى : ( ولأمة ) لم يرد به الرقيق المملوك ؛ وإنما أراد به الآدمية والآدميات ، والآدميّون بأجمعهم عبيد اللّه وإماؤه ؛ قاله القاضي بالبصرة أبو العباس الجرجاني رحمه اللّه .
( التنقيح ) : كلّ كافر بالحقيقة مشرك ؛ ولذلك يروى عن ابن عمر رضى اللّه عنهما أنه كره نكاح اليهودية والنصرانية ، وقال : أىّ شرك أعظم ممن يقول : عيسى هو اللّه أو ولده ، تعالى اللّه عما يقول الظالمون علوّا كبيرا ؛ فإن حملنا اللفظ على الحقيقة فهو عامّ خصصته آية سورة النساء ولم تنسخه ؛ وإن حملناه على العرف فالعرف إنما ينطلق فيه لفظ المشرك على من ليس له كتاب من المجوس والوثنيين من العرب ، وقد قال اللّه تعالى « 2 » :
ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ
. وقال « 3 » :
لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ
. فلفظ الكفر يجمعهم ، ويخصهم ذلك التقسيم .
فإن قيل : إن كان اللفظ خاصّا كما قلتم فالعلّة تجمعهم ، وهي معنى قوله تعالى :
أُولئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ
؛ وهذا عامّ في الكتابىّ والوثنىّ والمجوسي .
قلنا : لا نمنع في الشّرع أن تكون العلة عامّة والحكم خاصا أو أزيد من العلّة ؛ لأنها دليل في الشرع وأمارات ، وليست بموجبات .
هامش
( 1 ) سورة الفرقان ، آية 24
( 2 ) سورة البقرة ، آية 105
( 3 ) سورة البينة ، آية 1