تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 483

مساهمون:

ص٤٨٣
يخصص أجنبيا من ذلك ، ولا ينكر وقوع المنقطع في القرآن إلا أعجمي ، وقد حكي ذلك عن ابن خويزمنداد ، ثم عدد عليه عزّ وجل كبر فضله في اختصاصه بالنبوة وحمايته من المشركين إلى غير ذلك مما لا يحصى . وقوله تعالى :
قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ
الآية ، سبب هذه الآية أن جماعة من قريش قالت لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : يا محمد جئتنا بآية غريبة غير هذا القرآن ، فإنا نقدر على المجيء بمثل هذا ، فنزلت هذه الآية المصرحة بالتعجيز ، المعلمة بأن جميع الخلائق لو تعاونوا إنسا وجنا على ذلك لم يقدروا عليه ، والعجز في معارضة القرآن إنما وقع في النظم والرصف لمعانيه ، وعلة ذلك الإحاطة التي لا يتصف بها إلا اللّه عزّ وجل ، والبشر مقصر ضرورة بالجهل والنسيان والغفلة وأنواع النقص ، فإذا نظم كلمة خفي عنه للعلل التي ذكرنا أليق الكلام بها في المعنى ، وقد ذكرت هذه المسألة في صدر هذا الديوان ، وقوله
لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ
في موضع رفع ، و
لا
متلقية قسما ، واللام في قوله
لَئِنِ
مؤذنه غير لازمة قد تحذف أحيانا ، وقد تجيء هذه اللام مؤكدة فقط ، ويجيء الفعل المنفي مجزوما ، وهذا اعتماد على الشرط ومنه قول الأعمش : [ البسيط ]
لئن منيت بنا عن غر معركة * لا تلفنا عن دماء القوم ننتقل
و « الظهير » المعين ، ومنه قوله عزّ وجل
وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ
[ التحريم : 4 ] الآية : وفهمت العرب بخلوص فهمها في ميز الكلام ودربتها به ما لا نفهمه نحن ، ولا كل من خالطته حضارة ، ففهموا العجز عنه ضرورة ومشاهدة ، وعلمه الناس بعدهم استدلالا ونظرا ، ولكل حصل علم قطعي ، لكن ليس في مرتبة واحدة ، وهذا كما علمت الصحابة شرع النبي وأعماله مشاهدة علم ضرورة وعلمنا نحن المتواتر من ذلك بنقل التواتر ، فحصل للجميع القطع ، لكن في مرتبتين ، وفهم إعجاز القرآن أرباب الفصاحة الذين لهم غرائب في ميز الكلام ، ألا ترى إلى فهم الفرزدق شعر جرير في شعر ذي الرمة في قوله : يعد الناسبون إلى تميم . الأبيات كلها ، وألا ترى قصة جرير في نوادره مع الفرزدق في قول الفرزدق : على م تلفتين ، وفي قوله : تلفت أنها تحت ابن قين . وأ لا ترى إلى قول الأعرابي : عز فحكم فقطع ، وألا ترى إلى استدلال الآخر على البعث بقوله
حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ
[ التكاثر : 2 ] فقال إن الزيارة تقتضي الانصراف ومنه علم بشار بقول أبي عمرو بن العلاء في شعر الأعشى : وأنكرتني وما كان الذي نكرت ، ومنه قول الأعرابي للأصمعي : من أحوج الكريم إلى أن يقسم ؟ ومن فهمهم أنهم ببدائههم يأتون بكلمة منثورة تفضل المنقح من الشعر ، وأمثلة ذلك محفوظة ، ومن ذلك أجوبتهم المسكتة إلى غير ذلك من براعتهم في الفصاحة ، وكونهم فيها النهاية ، كما كان السحر في زمن موسى ، والطب في زمن عيسى ، فهم مع هذه الأفهام أقروا بالعجز ، ولجأ المحاد منهم إلى السيف ، ورضي بالقتل والسباء وكشف الحرم ، وهو كان يجد المندوحة عن ذلك بالمعارضة ، وكذلك التحدي بالعشر السور ، والتحدي بالسورة إنما وقع كله على حد واحد في النظم خاصة ، وقيد العشر بالافتراء لأنهم ذكروا أن القرآن مفترى ، فدعاهم بعقب ذكر ذلك إلى الإتيان بعشر سور مفتريات ، ولم يذكر
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 483 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى