تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 462

مساهمون:

ص٤٦٢
فإنما كانت منهم على جهة التشبيه ، ثم رأى الوليد بن المغيرة أن أقرب هذه الأمور على تخيل الطارين عليهم هو أنه ساحر ، ثم حكم اللّه عليهم بالضلال ، وقوله
فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا
يحتمل معنيين : أحدهما لا يستطيعون سبيلا إلى الهدى والنظر المؤدي إلى الإيمان ، فتجري الآية مجرى قوله
وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً *
[ الإسراء : 46 ] [ الأنعام : 25 ] ونحو هذا ، والآخر : لا يستطيعون سبيلا إلى فساد أمرك وإطفاء نور اللّه فيك بضربهم الأمثال لك واتباعهم كل حيلة في جهتك ، وحكى الطبري أن هذه الآية نزلت في الوليد بن المغيرة وأصحابه ، وقوله
إِذا كُنَّا عِظاماً
الآية ، هذه الآية في إنكارهم البعث ، وهذا منهم تعجب وإنكار واستبعاد ، و « الرفات » من الأشياء : ما مر عليه الزمن حتى بلغ به غاية البلى ، وقربه من حالة التراب ، يقال : رفت رفتا فهو مرفوت ، وفعال : بناء لهذا المعنى ، كالحطام ، والفتات ، والرصاص ، والرضاض ، والدقاق ، ونحوه ، وقال ابن عباس :
رُفاتاً
غبارا ، وقال مجاهد : ترابا ، واختلف القراء في هذين الاستفهامين : فقرأ ابن كثير وأبو عمرو « أيذا كنا ترابا أينا » جميعا بالاستفهام ، غير أن أبا عمرو يمد الهمزة ، ثم يأتي بالياء ساكنة ، وابن كثير يأتي بياء ساكنة بعد الهمزة من غير مدة ، وقرأ نافع الأولى مثل أبي عمرو ، واختلف عنه في المد ، وقرأ الثانية « إنا » مكسورة على الخبر ، ووافقه الكسائي في اكتفائه بالاستفهام الأول من الثاني ، غير أنه كان يهمز همزتين ، وقرأ عاصم وحمزة : « أإذا أإنا » بهمزتين فيهما ، وقرأ ابن عامر « إذا كنا » ، مكسورة الألف من غير استفهام « أإنا » يهمز ، ثم يمد ، ثم يهمز . ويروى عنه مثل قراءة حمزة ، وفي سورة الرعد توجيه هذه القراءات ، و
جَدِيداً
صفة لما قرب حدوثه من الأشياء ، وهكذا يوصف به المذكر والمؤنث ، فيقال ملحفة جديد وقولهم جديدة ، لغة ضعيفة ، كذا قال سيبويه ، وقوله تعالى :
قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً
الآية ، المعنى : قل لهم يا محمد كونوا إن استطعتم هذه الأشياء الصعبة الممتنعة التأتي ، لا بد من بعثكم ، وقوله
كُونُوا
هو الذي يسميه المتكلمون التعجيز من أنواع لفظة افعل ، وبهذه الآية مثل بعضهم ، وفي هذا عندي نظر : وإنما التعجيز حيث يقتضي بالأمر فعل ما لا يقدر عليه المخاطب ، كقوله تعالى :
فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ
[ آل عمران : 168 ] ، ونحوه ، وأما هذه الآية ، فمعناها : كونوا بالتوهم والتقدير كذا وكذا ، الذي فطركم كذلك ، هو يعيدكم ، وقال مجاهد أراد ب « الخلق » ، الذي يكبر في الصدور : السماوات والأرض والجبال ، وقال ابن عمر وابن عباس وعبد اللّه بن عمرو والحسن وابن جبير والضحاك : أراد الموت ، وقال قتادة ومجاهد : بل أحال على فكرتهم عموما ، ورجحه الطبري ، وهذا هو الأصح ، لأنه بدأ بشيء صلب ، ثم تدرج القول إلى أقوى منه ، ثم أحال على فكرهم ، إن شاءوا في أشد من الحديد ، فلا وجه لتخصيص شيء دون شيء ، ثم احتج عليهم عزّ وجل في الإعادة بالفطرة الأولى ، من حيث خلقهم ، واخترعهم من تراب ، فكذلك يعيدهم إذا شاء ، لا رب غيره ، وقوله
فَسَيُنْغِضُونَ
معناه : يرفعون ويخفضون يريد على جهة التكذيب ، قال ابن عباس : والاستهزاء . قال الزجاج : تحريك من يبطل الشيء ويستبطئه ، ومنه قول الشاعر : [ الرجز ]
أنغض نحوي رأسه وأقنعا * كأنما أبصر شيئا أطمعا
ويقال نغضت السنّ إذا تحركت وقال ذو الرمة : [ الطويل ]
ظعائن لم يسكن أكناف قرية * بسيف ولم تنغض بهن القناطر
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 462 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى