تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 4

مساهمون:

ص٤
بَراءَةٌ
رفع على خبر ابتداء مضمر تقديره هذه الآيات براءة ، ويصح أن ترتفع بالابتداء والخبر في قوله :
إِلَى الَّذِينَ
وجاز الابتداء بالنكرة لأنها موصوفة فتعرفت تعريفا ما ، وجاز الإخبار عنها ، وقرأ عيسى بن عمر « براءة » بالنصب على تقدير التزموا براءة ففيها معنى الإغراء ، و
بَراءَةٌ
معناها تخلص وتبرؤ من العهود التي بينكم وبين الكفار البادئين بالنقض ، تقول برئت إليك من كذا ، فبرئ اللّه تعالى ورسوله بهذه الآية إلى الكفار من تلك العهود التي كانت ونقضها الكفار ، وقرأ أهل نجران « من اللّه » بكسر النون من « من » ، وهذه الآية حكم من اللّه عزّ وجل بنقض العهود والموادعات التي كانت بين رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وبين طوائف المشركين الذين ظهر منهم أو تحسس من جهتهم نقض ، ولما كان عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لازما لأمته حسن أن يقول
عاهَدْتُمْ
قال ابن إسحاق وغيره من العلماء : كانت العرب قد وافقها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عهدا عاما على أن لا يصد أحد عن البيت الحرام ونحو ذلك من الموادعات ، فنقض ذلك بهذه الآية وأجل لجميعهم أربعة أشهر ، فمن كان له مع النبي صلى اللّه عليه وسلم عهد خاص وبقي منه أقل من الأربعة الأشهر بلغ به تمامها ، ومن كان أمده أكثر من أربعة أشهر أتم له عهده ، إلا إن كان ممن تحسس منه نقض فإنه قصر على أربعة أشهر ، ومن لم يكن له عهد خاص فرضت له الأربعة الأشهر « يسيح فيها » في الأرض أي يذهب مسرحا آمنا كالسيح من الماء وهو الجاري المنبسط ومنه قول طرفة بن العبد : [ السريع ]
لو خفت هذا منك ما نلتني * حتى نرى خيلا أمامي تسيح
وهذا ينبئ عن أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم استشعر من الكفار نقضا وتربصا به إلا من الطائفة المستثناة ، وقال ابن عباس رضي اللّه عنه : أول الأشهر الأربعة شوال وحينئذ نزلت الآية ، وانقضاؤها عند انسلاخ الأشهر الحرم وهو انقضاء المحرم بعد يوم الأذان بخمسين يوما فكان أجل من له عهد أربعة أشهر من يوم نزول الآية ، وأجل سائر المشركين خمسون ليلة من يوم الأذان . قال القاضي أبو محمد : اعترض هذا بأن الأجل لا يلزم إلا من يوم سمع ويحتمل أن البراءة قد كانت سمعت من أول شوال ، ثم كرر إشهارها مع الأذان يوم الحج الأكبر ، وقال السدي وغيره : بل أولها يوم الأذان وآخرها العشر من ربيع الآخر ، وهي الحرم استعير لها الاسم بهذه الحرمة والأمن الخاص الذي رسمه اللّه وألزمه فيها ، وهي أجل الجميع ممن له عهد وتحسس منه نقض وممن لا عهد له ، وقال الضحاك وغيره من العلماء : كان من العرب من لا عهد بينه وبين رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم جملة ، وكان منهم من بينه وبينهم عهد وتحسس منهم النقض وكان منهم من بينه وبينهم عهد ولم ينقضوا ، فقوله
فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ
هو أجل ضربه لمن كان بينه وبينهم عهد وتحسس منهم نقضه ، وأول هذا الأجل