تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 155

مساهمون:

ص١٥٥
ثم أنسه تعالى بقوله :
إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ
، أي هذا القدر هو الذي فوض إليك ، واللّه تعالى بعد ذلك هو الوكيل الممضي لإيمان من شاء وكفر من شاء . وقوله تعالى :
أَمْ يَقُولُونَ . . .
الآية ، هذه
أَمْ
التي هي عند سيبويه بمعنى بل وألف الاستفهام ، كأنه أضرب عن الكلام الأول ، واستفهم في الثاني على معنى التقرير ، كقولهم : إنها لإبل أم شاء ، و « الافتراء » أخص من الكذب ، ولا يستعمل إلا فيما بهت به المرء وكابر ، وجاء بأمر عظيم منكر ، ووقع التحدي في هذه الآية
بِعَشْرِ
لأنه قيدها بالافتراء ، فوسع عليهم في القدر لتقوم الحجة غاية القيام ، إذ قد عجزهم في غير هذه الآية
بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ *
[ البقرة : 23 ، يونس : 38 ] دون تقييد فهذه مماثلة تامة في غيوب القرآن ومعانيه الحجة ، ونظمه ووعده ووعيده وعجزوا في هذه الآية بل قيل لهم عارضوا القدر منه بعشر أمثاله في التقدير والغرض واحد واجعلوه مفترى لا يبقى لكم إلا نظمه فهذه غاية التوسعة ؛ وليس المعنى عارضوا عشر سور بعشر ، لأن هذه إنما كانت تجيء معارضة سورة بسورة مفتراة ولا تبالي عن تقديم نزول هذه على هذه : ويؤيد هذا النظر أن التكليف في آية البقرة إنما هو بسبب الريب ، ولا يزيل الريب إلا العلم بأنهم لا يقدرون على المماثلة التامة ؛ وفي هذه الآية إنما التكليف بسبب قولهم
افْتَراهُ
فكلفوا نحو ما قالوا : ولا يطرد هذا في آية يونس . وقال بعض الناس : هذه مقدمة في النزول على تلك ، ولا يصح أن يعجزوا في واحدة فيكلفوا عشرا ؛ والتكليفان سواء ، ولا يصح أن تكون السورة الواحدة إلا مفتراة وآية سورة يونس في تكليف سورة متركبة على قولهم :
افْتَراهُ
، وكذلك آية البقرة وإنما ريبهم بأن القرآن مفترى . قال القاضي أبو محمد : وقائل هذا القول لم يلحظ الفرق بين التكليفين : في كمال المماثلة مرة ، ووقوفها على النظم مرة . و
مَنِ
في قوله :
مَنِ اسْتَطَعْتُمْ
يراد بها الآلهة والأصنام والشياطين وكل ما كانوا يعظمونه ، وقوله :
إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
يريد في أن القرآن مفترى . قوله عزّ وجل :

[ سورة هود ( 11 ) : الآيات 14 إلى 16 ]

فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ( 14 ) مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ ( 15 ) أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 16 ) لهذه الآية تأويلان : أحدهما أن تكون المخاطبة من النبي صلى اللّه عليه وسلم للكفار ؛ أي فإن لم يستجب من تدعون إلى شيء من المعارضة ولا قدر جميعكم عليها ، فأذعنوا حينئذ واعلموا أنه من عند اللّه ويأتي قوله :
فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ
متمكنا .