تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 13

مساهمون:

ص١٣
قوله عزّ وجل :

[ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 13 إلى 15 ]

أَ لا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَ تَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 13 ) قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ ( 14 ) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 15 ) قوله
أَ لا تُقاتِلُونَ
عرض وتحضيض ، وقوله
وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ
، قال الحسن بن أبي الحسن : المراد من المدينة ، وهذا مستقيم كغزوة أحد والأحزاب وغيرهما ، وقال السدي : المراد من مكة فهذا على أن يكون المعنى هموا وفعلوا ، أو على أن يقال هموا بإخراجه بأيديهم فلم يصلوا إلى ذلك بل خرج بأمر اللّه عزّ وجل ، وهذا يجري مع إنكار النبي صلى اللّه عليه وسلم على أبي سفيان بن الحارث قوله : [ الطويل ]
وردني إلى اللّه من * طردته كل مطرد
ولا ينسب الإخراج إليهم إلا إذا كان الكلام في طريق تذنيبهم كما قال تعالى :
وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ
[ البقرة : 127 ] وقوله :
مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ
[ محمد : 13 ] والأول هو على أن ما فعلوا به من أسباب الإخراج هو الإخراج ، وقوله
أَوَّلَ مَرَّةٍ
قيل يراد أفعالهم بمكة بالنبي صلى اللّه عليه وسلم وبالمؤمنين ، وقال مجاهد : يراد به ما بدأت به قريش من معونة بني بكر حلفائهم على خزاعة حلفاء رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فكان هذا بدء النقض ، وقال الطبري : يعني فعلهم يوم بدر ، وقوله
أَ تَخْشَوْنَهُمْ
استفهام على معنى التقرير والتوبيخ ، وقوله
فَاللَّهُ
مرتفع بالابتداء و
أَحَقُّ
خبره ، و
أَنْ تَخْشَوْهُ
بدل من اسم اللّه بدل اشتمال أو في موضع نصب على إسقاط خافض تقديره بأن تخشوه ، ويجوز أن يكون « الله » ابتداء و
أَحَقُّ
ابتداء ثان و
أَنْ تَخْشَوْهُ
خبر الثاني والجملة خبر الأول ، وقوله
إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
كما تقول افعل كذا إن كنت رجلا أي رجلا كاملا ، فهذا معناه إن كنتم مؤمنين كاملي الإيمان ، لأن إيمانهم قد كان استقر ، وقوله
قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ
الآية ، قررت الآيات قبلها أفعال الكفرة ثم حضض على القتال مقترنا بذنوبهم لتنبعث الحمية مع ذلك ، ثم جزم الأمر بقتالهم في هذه الآية مقترنا بوعد وكيد يتضمن النصرة عليهم والظفر بهم ، وقوله
يُعَذِّبْهُمُ
معناه بالقتل والأسر وذلك كله عذاب ،
وَيُخْزِهِمْ
معناه يذلهم على ذنوبهم يقال خزي الرجل يخزى خزيا إذا ذل من حيث وقع في عار ، وأخزاه غيره وخزي خزاية إذا استحيا ، وأما قوله
وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ
فإن الكلام يحتمل أن يريد جماعة المؤمنين لأن كل ما يهد من الكفر هو شفاء من هم صدور المؤمنين ، ويحتمل أن يريد تخصيص قوم من المؤمنين ، وروي أنهم خزاعة قاله مجاهد والسدي ووجه تخصيصهم أنهم الذين نقض فيهم العهد ونالتهم الحرب وكان يومئذ في خزاعة مؤمنون كثير ، ويقتضي ذلك قول الخزاعي عن المستنصر بالنبي صلى اللّه عليه وسلم : [ الرجز ] ثمّت أسلمنا فلم تنزع يدا
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 13 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى