تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 74

مساهمون:

ص٧٤
وقوله تعالى :
وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ
تنبيه على جلالة الرسل ، أي : فأنت يا محمد منهم ، تجب طاعتك وتتعين إجابة الدعوة إليك ، و
لِيُطاعَ
، نصب بلام كي ، و
بِإِذْنِ اللَّهِ
معناه بأمر اللّه ، وحسنت العبارة بالإذن ، إذ بنفس الإرسال تجب طاعته وإن لم ينص أمر بذلك ، ويصح تعلق الباء من قوله
بِإِذْنِ
ب
أَرْسَلْنا
، والمعنى وما أرسلنا بأمر اللّه أي بشريعته وعبادته من رسول إلا ليطاع ، والأظهر تعلقها ب « يطاع » والمعنى : وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بأمر اللّه بطاعته . قال القاضي أبو محمد رحمه اللّه : وعلى التعليقين فالكلام عام اللفظ خاص المعنى ، لأنا نقطع أن اللّه تبارك وتعالى قد أراد من بعض خلقه ألا يطيعوا ، ولذلك خرجت طائفة معنى الإذن إلى العلم ، وطائفة خرجته إلى الإرشاد لقوم دون قوم ، وهذا تخريج حسن ، لأن اللّه إذا علم من أحد أنه يؤمن ووفقه لذلك فكأنه أذن له فيه ، وحقيقة الإذن : التمكين مع العلم بقدر ما مكن منه ، وقوله تعالى :
وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ
الآية ، معناه : بالمعصية والنفاق ، ونقصها حظها من الإيمان و « استغفروا الله » معناه : طلبوا مغفرته ، وتابوا إليه رجعوا ، و
تَوَّاباً
: معناه راجعا بعباده . قوله تعالى :

[ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 65 إلى 68 ]

فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ( 65 ) وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً ( 66 ) وَإِذاً لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً ( 67 ) وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً ( 68 ) قال الطبري : قوله :
فَلا
رد على ما تقدم ، تقديره : فليس الأمر كما يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك ، ثم استأنف القسم بقوله ،
وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ
. قال القاضي أبو محمد رحمه اللّه : وقال غيره : إنما قدم « لا » على القسم اهتماما بالنفي ، وإظهارا لقوته ، ثم كررها بعده تأكيدا للتهمم بالنفي ، وكان يصح إسقاط
لا
الثانية ، ويبقى أكثر الاهتمام بتقديم الأولى ، وكان يصح إسقاط الأولى ويبقى معنى النفي ، ويذهب معنى الاهتمام ، و
شَجَرَ
معناه : اختلط والتف من أمورهم ، وهو من الشجر ، شبيه بالتفاف الأغصان ، وكذلك الشجير الذي امتزجت مودته بمودة صاحبه ، وقرأ أبو السمال « شجر » بإسكان الجيم . قال القاضي أبو محمد : وأظنه فر من توالي الحركات ، وليس بالقوي ، لخفة الفتحة ، و
يُحَكِّمُوكَ
نصب بحتى ، لأنها هاهنا غاية مجردة ، و
يَجِدُوا
عطف عليه ، والحرج : الضيق والتكلف والمشقة ، قال مجاهد :
حَرَجاً
، شكا ، وقوله :
تَسْلِيماً
مصدر مؤكد ، منبئ على التحقيق في التسليم ، لأن العرب إنما تردف الفعل بالمصدر إذا أرادت أن الفعل وقع حقيقة ، كما قال تعالى :
وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً
[ النساء : 164 ] وقد تجيء به مبالغة وإن لم يقع ، ومنه : « وعجت عجيجا من جذام المطارف » .