تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 70

مساهمون:

ص٧٠
قال علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه وزيد بن أسلم وشهر بن حوشب ، وابن زيد : هذا خطاب لولاة المسلمين خاصة . قال القاضي أبو محمد : فهو للنبي عليه السلام وأمرائه ، ثم يتناول من بعدهم ، وقال ابن جريج وغيره : ذلك خطاب للنبي عليه السلام في أمر مفتاح الكعبة حين أخذه من عثمان بن طلحة بن أبي طلحة العبدري ومن ابن عمه شيبة بن عثمان بن أبي طلحة ، فطلبه العباس بن عبد المطلب لتنضاف له السدانة إلى السقاية ، فدخل رسول اللّه الكعبة فكسر ما كان فيها من الأوثان ، وأخرج مقام إبراهيم ، ونزل عليه جبريل بهذه الآية . قال عمر بن الخطاب : وخرج رسول اللّه وهو يقرأ هذه الآية ، وما كنت سمعتها قبل منه . فدعا عثمان وشيبة ، فقال لهما : خذاها خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم ، وحكى مكي أن شيبة أراد أن لا يدفع المفتاح ، ثم دفعه وقال للنبي عليه السلام : خذه بأمانة اللّه . قال القاضي أبو محمد : واختلف الرواة في بعض ألفاظ هذا الخبر ، زيادة ونقصانا ، إلا أنه المعنى بعينه ، وقال ابن عباس : الآية في الولاة بأن يعظوا النساء في النشوز ونحوه ، ويردوهن إلى الأزواج ، والأظهر في الآية أنها عامة في جميع الناس ، ومع أن سببها ما ذكرناه تتناول الولاة فيما إليهم من الأمانات في قسمة الأموال ورد الظلامات وعدل الحكومات وغيره ، وتتناولهم ومن دونهم من الناس في حفظ الودائع والتحرز في الشهادات وغير ذلك ، كالرجل يحكم في نازلة ما ونحوه ، والصلاة والزكاة والصيام وسائر العبادات أمانات للّه تعالى ، وقال ابن عباس : لم يرخص اللّه لموسر ولا معسر أن يمسك الأمانة ، و
نِعِمَّا
أصله نعم ما ، سكنت الأولى وأدغمت في الثانية وحركت العين لالتقاء الساكنين ، وخصت بالكسر اتباعا للنون ، و « ما » المردفة على « نعم » إنما هي مهيئة لاتصال الفعل بها كما هي في « ربما ومما » في قوله : وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مما يحرك شفتيه ، وكقول الشاعر : [ الطويل ]
وإنّا لممّا نضرب الكبش ضربة * على رأسه تلقي اللّسان من الفم
ونحوه ، وفي هذا هي بمنزلة « ربما » وهي لها مخالفة في المعنى ، لأن « ربما » معناها : التقليل ، و « مما » معناها التكثير ، ومع أن « ما » موطئة فهي بمعنى « الذي » وما وطأت إلا وهي اسم ، ولكن القصد إنما هو لما يليها من المعنى الذي في الفعل ، وحسن الاتصاف بعد هذه المقدمات بالسمع والبصر ، لأنها في الشاهد محصلات ما يفعل المأمور فيما أمر به . وقوله عزّ وجل :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ
لما تقدم إلى الولاة في الآية المتقدمة ، تقدم في هذه إلى الرعية ، فأمر بطاعته عزّ وجل ، وهي امتثال أوامره ونواهيه ، وطاعة رسوله ، وطاعة الأمراء على قول الجمهور : أبي هريرة وابن عباس وابن زيد وغيرهم ، فالأمر على هذا التأويل إشارة إلى القرآن والشريعة ، أي : أولي هذا الأمر . وعن عبد اللّه ومجاهد وجماعة : أولو الأمر : أهل القرآن والعلم ، فالأمر على هذا التأويل أشار