حين ورد مكة : أنت سيدنا وسيد قومك ، إنّا قوم ننحر الكوماء ، ونقري الضيف ، ونصل الرحم ، ونسقي الحجيج ، ونعبد آلهتنا الذين وجدنا آباءنا يعبدون ، وهذا الصنبور المنبتر من قومه قد قطع الرحم ، فمن أهدى نحن أو هو ؟ فقال كعب : أنتم أهدى منه وأقوم دينا ، فنزلت هذه الآية ، قاله ابن عباس : وحكى السدي : أن أبا سفيان خاطب كعبا بهذه المقالة ، فالضمير في
يَقُولُونَ
عائد على كعب على ما تقدم - أو على الجماعة من بني إسرائيل التي كانت مع كعب ، لأنها قالت بقوله في جميع ذلك على ما ذكر بعض المتأولين ، و « الذين كفروا » في هذه الآية هم قريش ، والإشارة ب
هؤُلاءِ
إليهم ، و
أَهْدى
: وزنه أفعل وهو للتفضيل ، و
الَّذِينَ آمَنُوا
: هم النبي عليه السلام وأمته ، و
سَبِيلًا
نصب على التمييز ، وقالت فرقة : بل المراد في الآية من بني إسرائيل هو حيي بن أخطب وهو المقصود من أول الآيات ، والمشار إليه بقوله
أُولئِكَ
هم المراد من بني إسرائيل ، فمن قال : كانوا جماعة فذلك مستقيم لفظا ومعنى ، ومن قال : هو كعب أو حيي ، فعبر عنه بلفظ الجمع ، لأنه كان متبوعا ، وكان قوله مقترنا بقول جماعة .
و
لَعَنَهُمُ
معناه : أبعدهم من خيره ومقتهم ، ومن يفعل اللّه ذلك به ويخذله فلا ناصر له من المخلوقين ، وإن نصرته طائفة ، فنصرتها كلا نصرة ، إذ لا تغني عنه شيئا .
قوله تعالى :
[ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 53 إلى 55 ]
أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً ( 53 ) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً ( 54 ) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً ( 55 )
عرف
أَمْ
أن تعطف بعد استفهام متقدم ، كقولك : أقام زيد أم عمرو ، فإذا وردت ولم يتقدمها استفهام ، فمذهب سيبويه : أنها مضمنة معنى الإضراب عن الكلام الأول والقطع منه ، وهي مضمنة مع ذلك معنى الاستفهام ، فهي بمعنى « بل » مع ألف الاستفهام ، كقول العرب : إنها لإبل أم شاء ، فالتقدير عند سيبويه ، أنها لإبل بل أهي شاء . وكذلك هذا الموضع ، تقديره : بل ألهم نصيب من الملك ؟ وقد حكي عن بعض النحويين ، أن
أَمْ
يستفهم بها ابتداء دون تقدم استفهام ، حكاه ابن قتيبة في المشكل ، وهذا غير مشهور للعرب ، وقال بعض المفسرين :
أَمْ
بمعنى بل ، ولم يذكروا الألف اللازمة ، فأوجبوا على هذا حصول الملك للمذكورين في الآية ، والتزموا ذلك وفسروا عليه ، فالمعنى عندهم : بل هم ملوك أهل دنيا وعتو وتنعم ، لا يبغون غيره ، فهم بخلاء به ، حريصون على أن لا يكون ظهور لسواهم .
قال القاضي أبو محمد : والمعنى على الأرجح الذي هو مذهب سيبويه والحذاق ، أنه استفهام على معنى الإنكار ، أي ألهم ملك ؟ فإذا لو كان لبخلوا ، وقرأ ابن مسعود ، « فإذا لا يؤتوا » بغير نون على إعمال « إذا » ، والمصحف على إلغائها ، والوجهان جائزان ، وإن كانت صدرا من أجل دخول الفاء عليها ، والنقير ، أعرف ما فيه أنها النكتة التي في ظهر النواة من التمرة ، ومن هنالك تنبت ، وهو قول الجمهور ، وقالت فرقة :