تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 538

مساهمون:

ص٥٣٨
المهدوي وغيره أن التزيين في هذه الآية وما بعده من الأقوال هو بالوسوسة والمحادثة في النفوس . قال القاضي أبو محمد : ويضعف هذا القول أن قوله
وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ
ليس مما يلقى بالوسوسة ، وقال الجمهور في ذلك بما روي وتظاهر أن إبليس جاء كفار قريش ففي السير لابن هشام أنه جاءهم بمكة ، وفي غيرها أنه جاءهم وهم في طريقهم إلى بدر ، وقد لحقهم خوف من بني بكر وكنانة لحروب كانت بينهم ، فجاءهم إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم وهو سيد من ساداتهم ، فقال لهم « إني جار لكم » ولن تخافوا من قومي وهم لكم أعوان على مقصدكم ولن يغلبكم أحد ، فسروا عند ذلك ومضوا لطيتهم وقال لهم أنتم تقاتلون عن دين الآباء ولن تعدموا نصرا . فروي أنه لما التقى الجمعان كانت يده في يد الحارث بن هشام ، فلما رأى الملائكة نكص فقال له الحارث أتفر يا سراقة فلم يلو عليه ، ويروى أنه قال له ما تضمنت الآية . وروي أن عمرو بن وهب أو الحارث بن هشام قال له أين يا سراقة ؟ فلم يلو ومثل عدو اللّه فذهب ووقعت الهزيمة ، فتحدث أن سراقة فر بالناس ، فبلغ ذلك سراقة بن مالك ، فأتى مكة فقال لهم : واللّه ما علمت بشيء من أمركم حتى بلغتني هزيمتكم ولا رأيتكم ولا كنت معكم ، وحكى الطبري عن ابن عباس أنه قال : جاء إبليس يوم بدر في جند من الشياطين معه رأيته في صورة رجل من بني مدلج ، فقال
لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ
الآية ، و
الْيَوْمَ
ظرف ، والعامل فيه معنى نفي الغلبة ، ويحتمل أن يكون العامل متعلق
لَكُمُ
وممتنع أن يعمل
غالِبَ
لأنه كان يلزم أن يكون لا غالبا ، وقوله
إِنِّي جارٌ لَكُمْ
معناه فأنتم في ذمتي وحماي ، و
تَراءَتِ
تفاعلت من الرؤية أي رأى هؤلاء هؤلاء ، وقرأ الأعمش وعيسى بن عمر « ترأت » مقصورة ، وحكى أبو حاتم عن الأعمش أنه أمال والراء مرققة ثم رجع عن ذلك ، وقوله
نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ
معناه رجع من حيث جاء ، وأصل النكوص في اللغة الرجوع القهقرى ، وقال زهير :
هم يضربون حبيك البيض إذ لحقوا * لا ينكصون إذا ما استلحموا وحموا
كذا أنشد الطبري ، وفي رواية الأصمعي إذا ما استلأموا وبذلك فسر الطبري هذه الآية ، وفي ذلك بعد ، وإنما رجوعه في هذه الآية مشبه بالنكوص الحقيقي ، وقال اللغويون : النكوص ، الإحجام عن الشيء ، يقال أراد أمرا ثم نكص عنه ، وقال تأبّط شرّا : [ البسيط ]
ليس النكوص على الأدبار مكرمة * إن المكارم إقدام على الأسل
قال القاضي أبو محمد : فليس هنا قهقرى بل هو فرار ، وقال مؤرج : نكص هي رجع بلغة سليم . قال القاضي أبو محمد : وقوله
عَلى عَقِبَيْهِ
يبين أنه إنما أراد الانهزام والرجوع في ضد إقباله ، وقوله
إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ
هو خذلانه لهم وانفصاله عنهم ، وقوله
إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ
يريد الملائكة وهو الخبيث إنما شرط أن لا غالب من الناس فلما رأى الملائكة وخرق العادة خاف وفرّ ، وفي الموطأ وغيره أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « ما ريء الشيطان في يوم أقل ولا أحقر ولا أصغر منه في يوم عرفة ، لما يرى من نزول الرحمة إلا ما رأى يوم بدر » ، قيل وما رأى يا رسول اللّه ؟ قال : « رأى الملائكة يزعمها جبريل » .