بكر وأبي عمرو وحمزة والكسائي « وإن اللّه » بكسر الهمزة على القطع ، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم في رواية حفص « وأن » بفتح الألف ، فإما أن يكون في موضع رفع على خبر ابتداء محذوف ، وإما في موضع نصب بإضمار فعل وما ذكره الطبري من أن التقدير لكثرتها ولأن اللّه مع المؤمنين محتمل المعنى ، وفي قراءة ابن مسعود : « ولو كثرت واللّه مع المؤمنين » . وهذا يقوي قراءة من كسر الألف ، من « إن » وقوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ
الآية ، الخطاب للمؤمنين المصدقين ، جدد عليهم الأمر بطاعة اللّه والرسول ونهوا عن التولي عنه ، وهذا قول الجمهور ، ويكون هذا متناصرا مع قول من يقول : إن الخطاب بقوله
وَإِنْ تَنْتَهُوا
هو للمؤمنين ، فيجيء الكلام من نمط واحد في معناه ، وأما على قول من يقول إن المخاطبة ب
إِنْ تَنْتَهُوا
هي للكفار فيرى أن هذه الآية إنما نزلت بسبب اختلافهم في النفل ومجادلتهم في الحق وكراهيتهم خروج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وتفاخرهم بقتل الكفار والنكاية فيهم ، وقالت فرقة : الخطاب بهذه الآية إنما هو للمنافقين والمعنى : يا أيها الذين آمنوا بألسنتهم فقط .
قال القاضي أبو محمد : وهذا وإن كان محتملا على بعد فهو ضعيف جدا لأجل أن اللّه وصف من خاطب في هذه الآية بالإيمان ، والإيمان التصديق ، والمنافقون لا يتصفون من التصديق بشيء ، وقيل إن الخطاب لبني إسرائيل ، وهذا أجنبي من الآية ، و
تَوَلَّوْا
أصله تتولوا لأن تفعل دخلت عليه تاء المخاطب بالفعل المستقبل فحذفت الواحدة ، والمحذوفة هي تاء تفعل ، والباقية هي تاء العلامة ، لأن الحاجة إليها هنا أمس ليبقى الفعل مستقبلا ، وقوله
وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ
يريد دعاءه لكم بالقرآن والمواعظ والآيات ، وقوله
كَالَّذِينَ قالُوا
يريد الكفار ، فإما من قريش لقولهم
سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا
[ الأنفال : 8 ] وإما الكفار على الإطلاق الذين يقولون سمعنا القرآن وعلمنا أنه سحر أو شعر وأساطير بحسب اختلافهم ، ثم أخبر اللّه عنهم خبرا نفى به أنهم سمعوا أي فهموا ووعوا ، لأنه لا خلاف أنهم كانوا يسمعون التلاوة بآذانهم ولكن صدورهم مطبقة لم يشرحها اللّه عزّ وجل لتلقي معاني القرآن والإيمان به .
قوله عزّ وجل :
[ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 22 إلى 24 ]
إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ ( 22 ) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ( 23 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ( 24 )
المقصود بهذه الآية أن يبين أن هذه الصنيفة العاتية من الكفار هي شر الناس عند اللّه عزّ وجل ، وأنها أخس المنازل لديه ، وعبر ب
الدَّوَابِّ
ليتأكد ذمهم وليفضل عليهم الكلب العقور والخنزير ونحوهما من السبع ، والخمس الفواسق وغيرها ، و
الدَّوَابِّ
كل ما دب فهو جميع الحيوان بجملته ، وقوله
الصُّمُّ الْبُكْمُ
عبارة عما في قلوبهم وقلة انشراح صدورهم وإدراك عقولهم ، فلذلك وصفهم بالصم والبكم وسلب العقل ، وروي أن هذه الآية نزلت في طائفة من بني عبد الدار وظاهرها العموم فيهم وفي غيرهم ممن اتصف بهذه الأوصاف ، ثم أخبر تعالى بأن عدم سمعهم وهداهم إنما هو بما علمه اللّه منهم وسبق من