تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 461

مساهمون:

ص٤٦١
مأخوذ من هاد يهيد إذا حرك ، وقوله تعالى :
قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ
الآية ، قال اللّه عزّ وجل : إن الرجفة التي أنزلت بالقوم هي عذابي أصيب به من شئت ثم أخبر عن رحمته ، ويحتمل وهو الأظهر أن الكلام قصد الخبر عن عذابه وعن رحمته من أول ما ابتدأ ، ويندرج أمر أصحاب الرجفة في عموم قوله عند
عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ
وقرأ الحسن وطاوس وعمرو بن فائد « من أساء » من الإساءة أي من عمل غير صالح ، وللمعتزلة بهذه القراءة تعلق من وجهين : أحدهما إنفاذ الوعيد ، والآخر خلق المرء أفعاله وأن أساء لا فعل فيه للّه ، وهذان التعلقان فيهما احتمال ينفصل عنه كما ينفصل عن سائر الظواهر إلا أن القراءة أطنبوا في التحفظ من هذه القراءة ، وقال أبو عمرو الداني : لا تصح هذه القراءة عن الحسن وطاوس ، وعمرو بن فائد رجل سوء ، وذكر أبو حاتم أن سفيان بن عيينة قرأها مرة واستحسنها فقام إليه عبد الرحمن المقبري وصاح به وأسمعه فقال سفيان : لم أدر ولم أفطن لما يقول أهل البدع وهذا إفراط من المقربين وحملهم على ذلك شحهم على الدين وظنهم أن الانفصال عن تعلق المعتزلة متعذر . ثم وصف اللّه تعالى رحمته بأنها
وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ
فقال بعض العلماء : هو عموم في الرحمة وخصوص في قوله
كُلَّ شَيْءٍ
والمراد من قد سبق في علم اللّه أن يرحمه دون من سواهم ، وقال بعضهم : هو عموم في رحمة الدنيا لأن الكافر والمؤمن والحيوان كله متقلب في رحمة اللّه الدنياوية ، وقالت فرقة : قوله :
وَرَحْمَتِي
يراد به التوبة وهي خاصة على هذا في الرحمة وفي الأشياء لأن المراد من قد تقع منه التوبة ، وقال نوف البكالي : إن إبليس لما سمع قول اللّه تعالى :
وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ
طمع في رحمة اللّه فلما سمع
فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ
يئس إبليس وبقيت اليهود والنصارى ، فلما تمادت الصفة تبين أن المراد أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم ويئس اليهود والنصارى من الآية ، وقال نحوه قتادة ، وقوله :
فَسَأَكْتُبُها
أي أقدرها وأقضيها ، وقال نوف البكالي : إن موسى عليه السلام قال يا رب جعلت وفادتي لأمة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وقال نوف البكالي : فاحمدوا اللّه الذي جعل وفادة بني إسرائيل لكم ، وقوله :
يَتَّقُونَ
في هذه الآية قالت فرقة : معناه يتقون الشرك ، وقالت فرقة : يتقون المعاصي . قال القاضي أبو محمد : ومن قال : الشرك لا غير خرج إلى قول المرجئة ، ويرد عليه من الآية شرط الأعمال بقوله :
وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ
، ومن قال المعاصي ولا بد خرج إلى قول المعتزلة ، والصواب بأن تكون اللفظة عامة ولكن ليس بأن نقول ولا بد من اتقاء المعاصي بل بأن نقول مع أن مواقع المعاصي في مشيئة اللّه تعالى ، ومعنى :
يَتَّقُونَ
يجعلون بينهم وبين المتقى وقاية وحجابا ، فذكر اللّه تعالى الرتبة العالية ليتسابق السامعون إليها ، وقوله :
وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ
الظاهر من قوله
يُؤْتُونَ
أنها الزكاة المختصة بالمال وخصها هنا بالذكر تشريفا لها وجعلها مثالا لجميع الطاعات ، وقال ابن عباس فيما روي عنه : ويؤتون الأعمال التي يزكون بها أنفسهم . قوله عزّ وجل :