تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 410

مساهمون:

ص٤١٠
قوله عزّ وجل :

[ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 55 إلى 56 ]

ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ( 55 ) وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ( 56 ) هذا أمر بالدعاء وتعبد به ، ثم قرر عزّ وجل بالأمر به صفات تحسن معه ، وقوله :
تَضَرُّعاً
معناه بخشوع واستكانة ، والتضرع لفظة تقتضي الجهر لأن التضرع إنما يكون بإشارات جوارح وهيئات أعضاء تقترن بالطلب ،
وَخُفْيَةً
يريد في النفس خاصة ، وقد أثنى اللّه عزّ وجل على ذلك في قوله
إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا
[ مريم : 3 ] ونحو هذا قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : خير الذكر الخفي ، والشريعة مقررة أن السر فيما لم يعترض من أعمال البر أعظم أجرا من الجهر ، وتأول بعض العلماء « التضرع والخفية » في معنى السر جميعا ، فكأن التضرع فعل للقلب ، ذكر هذا المعنى الحسن بن أبي الحسن ، وقال : لقد أدركنا أقواما ما كان على الأرض عمل يقدرون أن يكون سرا فيكون جهرا أبدا ، ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء فلا يسمع لهم صوت ، إن هو إلا الهمس بينهم وبين ربهم ، وذلك أن اللّه تعالى يقول
ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً
وذكر عبدا صالحا رضي فعله فقال
إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا
[ مريم : 3 ] وقال الزجاج
ادْعُوا رَبَّكُمْ
معناه اعبدوا ربكم
تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً
أي باستكانة واعتقاد ذلك في القلوب ، وقرأ جميع السبعة « وخفية » بضم الخاء ، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر هنا وفي الأنعام و « خفية » بكسرها وهما لغتان ، وقد قيل إن « خفية » بكسر الخاء بمعنى الخوف والرهبة ، ويظهر ذلك من كلام أبي علي . وقرأت فرقة « وخيفة » من الخوف ، أي ادعوه باستكانة وخوف ذكرها ابن سيده في المحكم ولم ينسبها ، وقال أبو حاتم قرأها الأعمش فيما زعموا ، وقوله :
إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ
يريد في الدعاء وإن كان اللفظ عاما ، فإلى هذا هي الإشارة ، والاعتداء في الدعاء على وجوه ، منها الجهر الكثير والصياح كما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لقوم - وقد رفعوا أصواتهم بالتكبير - : « أيها الناس أربعوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا » ومنها أن يدعو الإنسان في أن تكون له منزلة نبي أو يدعو في محال ونحو هذا من التشطط ، ومنها أن يدعو طالبا معصية وغير ذلك ، وفي هذه الأسئلة كفاية ، وقرأ ابن أبي عبلة « إن اللّه لا يحب المعتدين » ، والمعتدي هو مجاوز الحد ومرتكب الحظر ، وقد يتفاضل بحسب ما اعتدى فيه وروي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « سيكون أقوام يعتدون في الدعاء وحسب المرء أن يقول : اللهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل » . وقوله تعالى :
وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ
الآية ، ألفاظ عامة تتضمن كل إفساد قلّ أو كثر بعد إصلاح ، قل أو كثر ، والقصد بالنهي هو على العموم وتخصيص شيء دون شيء في هذا تحكم إلا أن يقال على وجهة المثال ، قال الضحاك : معناه لا تغوروا الماء المعين ولا تقطعوا الشجر المثمر ضرارا ، وقد ورد قطع الدينار والدرهم من الفساد في الأرض ، وقد قيل تجارة الحكام من الفساد في الأرض ، وقال بعض الناس : المراد ولا تشركوا في الأرض بعد أن أصلحها اللّه ببعثة الرسل وتقرير الشرائع ووضوح ملة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وقائل هذه المقالة قصد إلى أكبر فساد بعد أعظم صلاح فخصه بالذكر .