اللّه عليه وسلم ، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر « يغشي » من أغشى ، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر وحمزة والكسائي « يغشّي » بالتشديد من غشّى ، وهما طريقان في تعدية « غشي » إلى مفعول ثان ، وقرأ حميد « يغشى » بفتح الياء والشين ونصب « الليل » ورفع « النهار » ، كذا قال أبو الفتح وقال أبو عمرو الداني برفع « الليل » قال القاضي أبو محمد : وأبو الفتح أثبت و
حَثِيثاً
معناه سريعا ، و
يَطْلُبُهُ حَثِيثاً
حال من الليل بحسب اللفظ على قراءة الجماعة ، ومن النهار بحسب المعنى ، وأما على قراءة حميد فمن النهار في الوجهين ، ويحتمل أن يكون حالا منهما ، ومثله قوله تعالى :
فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ
[ مريم : 27 ] فيصح أن يكون
تَحْمِلُهُ
حالا منها ، وأن يكون حالا منه وأن يكون حالا منهما . و
مُسَخَّراتٍ
في موضع الحال ، وقرأ ابن عامر وحده من السبعة و « الشمس والقمر والنجوم مسخرات » بالرفع في جميعها ، ونصب الباقون هذه الحروف كلها ، وقرأ أبان بن تغلب و « الشمس والقمر » بالنصب ، و « النجوم مسخرات » بالرفع .
و
أَلا
استفتاح كلام فاستفتح بها في هذا الموضع هذا الخبر الصادق المرشد .
قال القاضي أبو محمد : وأخذ المفسرون
الْخَلْقُ
بمعنى المخلوقات . أي هي له كلها وملكه واختراعه ، وأخذوا
الْأَمْرُ
مصدرا من أمر يأمر ، وعلى هذا قال النقاش وغيره : إن الآية ترد على القائلين بخلق القرآن لأنه فرق فيها بين المخلوقات وبين الكلام إذ الأمر كلامه عزّ وجل .
قال القاضي أبو محمد : ويحتمل أن تؤخذ لفظة
الْخَلْقُ
على المصدر من خلق يخلق خلقا أي له هذه الصفة إذ هو الموجد للأشياء بعد العدم ، ويؤخذ
الْأَمْرُ
على أنه واحد الأمور إلا أنه يدل على الجنس فيكون بمنزلة قوله
وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ
[ هود : 123 ] وبمنزلة قوله
وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ *
[ البقرة :
210 ] فإذا أخذت اللفظتان هكذا خرجتا عن مسألة الكلام .
قال القاضي أبو محمد : ولما تقدم في الآية خلق وبأمره تأكد في آخره أن
لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ
المصدرين حسب تقدمهما ، وكيف ما تأولت الآية فالجميع للّه ، وأسند الطبري إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « من زعم أن اللّه تعالى جعل لأحد من العباد شيئا من الأمر فقد كفر بما أنزل اللّه لقوله تعالى :
أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ
» ، قال النقاش : ذكر اللّه الإنسان في القرآن في ثمانية عشر موضعا في جميعها أنه مخلوق ، وذكر القرآن في أربعة وخمسين موضعا ليس في واحد منها إشارة إلى أنه مخلوق ، وقال الشعبي
الْخَلْقُ
عبارة عن الدنيا و
الْأَمْرُ
عبارة عن الآخرة ، و
تَبارَكَ
معناه عظم وتعالى وكثرت بركاته ، ولا يوصف بها إلا اللّه تعالى ، و
تَبارَكَ
لا يتصرف في كلام العرب ، لا يقال منه يتبارك ، وهذا منصوص عليه لأهل اللسان .
قال القاضي أبو محمد : وعلة ذلك أن
تَبارَكَ
لما لم يوصف بها غير اللّه تعالى لم تقتض مستقبلا إذ اللّه قد تبارك في الأزل ، وقد غلط بها أبو علي القالي فقيل له كيف المستقبل من تبارك فقال يتبارك فوقف على أن العرب ، لم تقله ، و « الرب » السيد المصلح ، و
الْعالَمِينَ
جمع عالم .