صفة جهله ، إذ البهائم تعلم علوم الحس وأما هذه الآية فإنما نفي فيها الشعور في نازلة مخصوصة .
قوله عزّ وجل :
[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 124 إلى 125 ]
وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ ( 124 ) فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ( 125 )
هذه الآية آية ذم للكفار وتوعد لهم ، يقول وإذا جاءتهم علامة ودليل على صحة الشرع تشططوا وتسحبوا وقالوا إنما يقلق لنا البحر إنما يحيي لنا الموتى ونحو ذلك ، فرد اللّه عزّ وجل عليهم بقوله :
اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ
أي فيمن اصطفاه وانتخبه لا فيمن كفر وجعل يتشطط على اللّه ، قال الزجاج :
قال بعضهم : الأبلغ في تصديق الرسل أن لا يكونوا قبل المبعث مطاعين في قومهم ، و
أَعْلَمُ
معلق العمل ، والعامل في
حَيْثُ
فعل تقديره : يعلم حيث ، ثم توعد تعالى بأن هؤلاء المجرمين الأكابر في الدنيا سيصيبهم عند اللّه صغار وذلة ، و
عِنْدَ اللَّهِ
متعلقة ب
سَيُصِيبُ
، ويصح أن تتعلق ب
صَغارٌ
لأنه مصدر ، قال الزجّاج : التقدير صغار ثابت عند اللّه ، قال أبو علي : وهو متعلق ب
صَغارٌ
دون تقدير ثابت ولا شيء غيره ، وقوله تعالى :
فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ
، الآية ، « من » أداة شرط ، و
يَشْرَحْ
جواب الشرط ، والآية نص في أن اللّه عزّ وجل يريد هدى المؤمن وضلال الكافر ، وهذا عند جميع أهل السنة بالإرادة القديمة التي هي صفة ذاته تبارك وتعالى ، و « الهدى » في هذه الآية هو خلق الإيمان في القلب واختراعه ، و « شرح الصدر » هو تسهيل الإيمان وتحبيبه وإعداد القلب لقبوله وتحصيله ، والهدى لفظة مشتركة تأتي بمعنى الدعاء كقوله عزّ وجل :
وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
[ الشورى : 52 ] وتأتي بمعنى إرشاد المؤمنين إلى مسالك الجنان والطرق والأعمال المفضية إليها ، كقوله تعالى :
فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ
[ محمد : 5 ] وغير ذلك ، إلا أنها في هذه الآية وفي قوله
مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ
[ الأعراف : 178 ] ، وفي قوله
إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ
[ القصص : 56 ] ونحوها لا يتجه حملها إلا على خلق الإيمان واختراعه ، إذ الوجوه من الهدى تدفعها قرائن الكلام مما قبل وبعد ، وقوله
يَشْرَحْ صَدْرَهُ
ألفاظ مستعارة هاهنا إذ الشرح التوسعة والبسط في الأجسام وإذا كان الجرم مشروحا موسعا كان معدا ليحل فيه ، فشبه توطئة القلب وتنويره وإعداده للقبول بالشرح والتوسيع ، وشبه قبوله وتحصيله للإيمان بالحلول في الجرم المشروح ، و « الصدر » عبارة عن القلب وهو المقصود ، إذ الإيمان من خصاله ، وكذلك الإسلام عبارة عن الإيمان إذ الإسلام أعم منه ، وإنما المقصود هنا الإيمان فقط بدليل قرينة الشرح والهدى ، ولكنه عبر بالإسلام إذ هو أعم وأدنى الهدى حب الأعمال وامتثال العبادات ، وفي
يَشْرَحْ
ضمير عائد على الهدى ، قال : وعوده على اللّه عزّ وجل أبين .