تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 335

مساهمون:

ص٣٣٥
أخبر اللّه عزّ وجل في هذه الآية أنه لو أتى بجميع ما اقترحوه من إنزال الملائكة وإحياء سلفهم حسبما كان من اقتراح بعضهم أن يحشر قصي وغيره ، فيخبر بصدق محمد أو يجمع عليهم كل شيء يعقل أن يحشر عليهم ، ما آمنوا إلا بالمشيئة واللطف الذي يخلقه ويخترعه في نفس من شاء لا رب غيره ، وهذا يتضمن الرد على المعتزلة في قولهم بالآيات التي تضطر الكفار إلى الإيمان ، وقال ابن جريج : نزلت هذه الآية في المستهزئين . قال القاضي أبو محمد رضي اللّه عنه : لا يثبت إلا بسند ، وقرأ نافع وابن عامر وغيرهما « قبلا » بكسر القاف وفتح الباء ، ومعناه مواجهة ومعاينة قاله ابن عباس ، وغيره ونصبه على الحال ، وقال المبرد : المعنى ناحية كما تقول له قبل فلان دين . قال القاضي أبو محمد رضي اللّه عنه : فنصبه على هذا هو على الظرف ، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي وغيرهم « قبلا » بضم القاف والباء ، وكذلك قرأ ابن كثير وأبو عمرو هنا وقرأ
الْعَذابُ قُبُلًا
[ الكهف : 55 ] مكسورة القاف واختلف في معناه فقال عبد اللّه بن زيد ومجاهد وابن زيد : « قبل » جمع قبيل أي صنفا صنفا ونوعا نوعا كما يجمع قضيب على قضب وغيره ، وقال الفراء والزجّاج هو جمع قبيل وهو الكفيل « وحشرنا عليهم كل شيء كفلاء » بصدق محمد وذكره الفارسي وضعفه ، وقال بعضهم قبل الضم بمعنى قبل بكسر القاف أي مواجهة كما تقول قبل ودبر ، ومنه قوله تعالى :
قُدَّ مِنْ قُبُلٍ
[ يوسف : 26 ] ومنه قراءة ابن عمر لقبل عدتهن [ الطلاق : 1 ] أي لاستقبالها ومواجهتها في الزمن وقرأ الحسن وأبو رجاء وأبو حيوة « قبلا » بضم القاف وسكون الباء ، وذلك على جهة التخفيف . وقرأ طلحة بن مصرف « قبلا » بفتح القاف وإسكان الباء ، وقرأ أبيّ والأعمش « قبيلا » بفتح القاف وكسر الباء وزيادة ياء ، والنصب في هذا كله على الحال ، وقوله عزّ وجل :
وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ
الضمير عائد إلى الكفار المتقدم ذكرهم ، والمعنى يجهلون أن الآية تقتضي إيمانهم ولا بد ، فيقتضي اللفظ أن الأقل لا يجهل فكان فيهم من يعتقد أن الآية لو جاءت « لم يؤمن إلا أن يشاء اللّه » له ذلك ، وقوله تعالى :
وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ
الآية ، تتضمن تسلية النبي عليه السلام وعرض القدوة عليه ، أي إن هذا الذي امتحنت به يا محمد من الأعداء قد امتحن به غيرك من الأنبياء ليبتلي اللّه أولي العزم منهم ، و
عَدُوًّا
مفرد في معنى الجمع ، ونصبه على المفعول الأول ل
جَعَلْنا
والمفعول الثاني في قوله
لِكُلِّ نَبِيٍّ
، و
شَياطِينَ
بدل من قوله
عَدُوًّا
، ويصح أن يكون المفعول الأول
شَياطِينَ
والثاني
عَدُوًّا
، وقوله
شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ
يريد به المتمردين من النوعين الذين هم من شيم السوء كالشياطين ، وهذا قول جماعة من المفسرين ويؤيده حديث أبي ذر أنه صلى يوما فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « تعوذ يا أبا ذر من شياطين الجن والإنس » ، قال وإن من الإنس لشياطين ؟ قال : نعم . قال السدي وعكرمة : المراد بالشياطين الموكلون بالإنس والشياطين الموكلون بمؤمني الجن ، وزعما أن للجن شياطين موكلين بغوايتهم