تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 290

مساهمون:

ص٢٩٠
والحارث لأن معنى الصفة باق في الصفة الغالبة ، وقرأت طائفة « ولا طائر » عطفا على اللفظ وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة « ولا طائر » بالرفع عطفا على المعنى ، وقرأت فرقة « ولا طير » وهو جمع « طائر » وقوله :
بِجَناحَيْهِ
تأكيد وبيان وإزالة للاستعارة المتعاهدة في هذه اللفظة فقد يقال « طائر » السعد والنحس . وقوله تعالى :
أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ
أي عمله ، ويقال : « طار لفلان طائر » كذا أي سهمه في المقتسمات ، فقوله تعالى
بِجَناحَيْهِ
إخراج للطائر عن هذا كله ، وقرأ علقمة وابن هرمز « فرطنا في الكتاب » بتخفيف الراء والمعنى واحد ، وقال النقاش معنى « فرطنا » مخففة أخرنا كما قالوا فرط اللّه عنك المرض أي أزاله ، والأول أصوب ، والتفريط التقصير في الشيء مع القدرة على ترك التقصير والكتاب القرآن وهو الذي يقتضيه نظام المعنى في هذه الآيات ، وقيل اللوح المحفوظ ، ومن شيء على هذا القول عام في جميع الأشياء ، وعلى القول بأنه قرآن خاص في الأشياء التي فيها منافع للمخاطبين وطرائق هدايتهم ، و
يُحْشَرُونَ
قالت فرقة حشر البهائم موتها ، وقالت فرقة حشرها بعثها ، واحتجوا بالأحاديث المضمنة أن اللّه تعالى يقتص للجماء من القرناء ، إنما هي كناية عن العدل وليست بحقيقة فهو قول مردود ينحو إلى القول بالرموز ونحوها . قوله عزّ وجل :

[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 39 إلى 41 ]

وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُماتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 39 ) قُلْ أَ رَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَ غَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 40 ) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ ( 41 ) كأنه قال وما من دابة ولا طائر ولا شيء إلا فيه آية منصوبة على وحدانية اللّه تعالى ، ولكن الذين كذبوا صم وبكم لا يتلقون ذلك ولا يقبلونه ، وظاهر الآية أنها تعم كل مكذب ، وقال النقاش نزلت في بني عبد الدار . قال القاضي أبو محمد : ثم انسحبت على سواهم ، ثم بيّن أن ذلك حكم من اللّه عزّ وجل بمشيئته في خلقه فقال مبتدئا الكلام
مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ
شرط وجوابه ، وقوله :
فِي الظُّلُماتِ
ينوب عن « عمي » ، وفي الظلمات أهول عبارة وأفصح وأوقع في النفس ، والصراط الطريق الواضح . وقوله تعالى :
قُلْ أَ رَأَيْتَكُمْ
الآية ، ابتداء احتجاج على الكفار الجاعلين للّه شركاء ، والمعنى أرأيتم إذا خفتم عذاب اللّه أو خفتم هلاكا أو خفتم الساعة أتدعون أصنامكم وتلجئون إليها في كشف ذلك إن كنتم صادقين في قولكم : إنها آلهة ؟ بل تدعون اللّه الخالق الرزاق فيكشف ما خفتموه إن شاء وتنسون أصنامكم أي تتركونهم ، فعبر عن الترك بأعظم وجوهه الذي هو مع الترك ذهول وإغفال ، فكيف يجعل إلها من هذه حاله في الشدائد والأزمات ؟ وقرأ ابن كثير وعاصم وأبو عمرو وابن عامر وحمزة « أرأيتكم » بألف مهموزة على الأصل ، لأن الهمزة عين الفعل ، وقرأ نافع بتخفيف الهمزة بين على عرف التخفيف وقياسه ، وروي عنه أنه
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 290 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى