تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 271

مساهمون:

ص٢٧١
قال القاضي أبو محمد : وهذا ضعيف ، و
ما
في قوله :
ما كانُوا
يصح أن تكون مع الفعل بتأويل المصدر ، كأنه قال : استهزاؤهم ، وهذه كناية عن العقوبة كما تهدد إنسانا فتقول سيلحقك عملك ، المعنى عاقبته ، وسخروا معناه استهزءوا . وقوله تعالى :
قُلْ سِيرُوا
الآية ، حض على الاعتبار بآثار من مضى ممن فعل فعلهم ، وقال
كانَ
ولم يقل كانت لأن تأنيث العاقبة ليس بحقيقي ، وهي بمعنى الآخر والمآل ، ومعنى الآية
سِيرُوا
وتلقوا ممن سار لأن العبرة بآثار من مضى إنما يستند إلى حس العين . قوله عزّ وجل :

[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 12 إلى 13 ]

قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 12 ) وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 13 ) قال بعض أهل التأويل : في الكلام حذف تقديره :
قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
؟ فإذا تحيروا ولم يجيبوا ، قل للّه ، وقالت فرقة : المعنى أنه أمر بهذا السؤال فكأنهم لما لم يجيبوا ولا تيقنوا سألوا فقيل له : قل للّه ، والصحيح أن اللّه عزّ وجل أمر محمدا عليه السلام بقطعهم بهذه الحجة الساطعة والبرهان القطعي الذي لا مدافعة فيه عندهم ولا عند أحد ، ليعتقد هذا المعتقد الذي بينه وبينهم ثم يتركب احتجاجه عليه ، وجاء ذلك بلفظ استفهام وتقرير في قوله :
لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
والوجه في المحاجّة إذا سأل الإنسان خصمه ، بأمر لا يدافعه الخصم فيه ، أن يسبقه بعد التقرير إليه مبادرة إلى الحجة ، كما تقول لمن تريد غلبته بآية تحتج بها عليه ، كيف قال اللّه في كذا ؟ ثم تسبقه أنت إلى الآية فتنصها عليه ، فكأن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال لهم : يا أيها الكافرون العادلون بربهم
لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
؟ ثم سبقهم فقال :
لِلَّهِ
، أي لا مدافعة في هذا عندكم ولا عند أحد ، ثم ابتدأ يخبر عنه تعالى :
كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ
معناه قضاها وأنفذها . وفي هذا المعنى أحاديث عن النبي عليه السلام تتضمن كتب الرحمة ، ومعلوم من غير ما موضع من الشريعة أن ذلك للمؤمنين في الآخرة ولجميع الناس في الدنيا ، منها أن اللّه تعالى خلق مائة رحمة فوضع منها واحدة في الأرض فيها تتعاطف البهائم وترفع الفرس رجلها لئلا تطأ ولدها . وبها تتعاطف الطير والحيتان ، وعنده تسع وتسعون رحمة ، فإذا كان يوم القيامة صير تلك الرحمة مع التسعة والتسعين وبثها في عباده . قال القاضي أبو محمد : فما أشقى من لم تسعه هذه الرحمات تغمدنا اللّه بفضل منه ، ومنها حديث آخر أن اللّه عزّ وجل كتب عنده كتابا فهو عنده فوق العرش أن رحمتي سبقت غضبي ، ويروى : نالت غضبي ، ومعناه سبقت ، وأنشد عليه ثابت بن قاسم :