تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 270

مساهمون:

ص٢٧٠
أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ
الآية حكاية عمن تشطط من العرب بأن طلب أن ينزل ملك يصدق محمدا في نبوءته ويعلم عن اللّه عزّ وجل أنه حق ، فرد اللّه تعالى عليهم بقوله :
وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ
وقال مجاهد : معناه لقامت القيامة . قال القاضي أبو محمد رضي اللّه عنه : وهذا ضعيف ، وقال قتادة والسدي وابن عباس رضي اللّه عنه : في الكلام حذف تقديره ولو « أنزلنا ملكا فكذبوا به لقضي الأمر » بعذابهم ولم ينظروا حسبما سلف في كل أمة اقترحت بآية وكذبت بعد أن ظهرت إليها ، وهذا قول حسن ، وقالت فرقة
لَقُضِيَ الْأَمْرُ
أي لماتوا من هول رؤية الملك في صورته ، ويؤيد هذا التأويل ما بعده من قوله :
وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا
فإن أهل التأويل مجمعون أن ذلك لأنهم لم يكونوا يطيقون رؤية الملك في صورته ، فالأولى في قوله
لَقُضِيَ الْأَمْرُ
أي لماتوا من هول رؤيته ،
يُنْظَرُونَ
معناه يؤخرون ، والنظرة التأخير ، وقوله عزّ وجل :
وَلَوْ جَعَلْناهُ
الآية المعنى أنّا لو جعلناه ملكا لجعلناه ولا بد في خلق رجل لأنهم لا طاقة لهم على رؤية الملك في صورته ، وقاله ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد . قال القاضي أبو محمد : ومما يؤيد هذا المعنى الحديث الوارد عن الرجلين اللذين صعدا على الجبل يوم بدر ليريا ما يكون في حرب النبي عليه السلام للمشركين ، فسمعا حس الملائكة وقائلا يقول في السماء ، أقدم حيزوم فمات أحدهما لهول ذلك ، فكيف برؤية ملك في خلقته ، ولا يعارض هذا برؤية النبي عليه السلام لجبريل وغيره في صورهم ، لأن النبي عليه السلام أعطي قوة غير هذه كلها صلى اللّه عليه وسلم ،
وَلَلَبَسْنا
أي لخلطنا عليهم ما يخلطون به على أنفسهم وعلى ضعفتهم ، أي لفعلنا لهم في ذلك فعلا ملبسا يطرق لهم إلى أن يلبسوا به ، وذلك لا يحسن ، ويحتمل الكلام مقصدا آخر ، أي « للبسنا » نحن عليهم كما « يلبسون » هم على ضعفتهم فكنا ننهاهم عن التلبيس ونفعله بهم ، ويقال : لبس الرجل الأمر يلبسه لبسا إذا خلطه ، وقرأ ابن محيصن : « ولبّسنا » بفتح اللام وشد الباء ، وذكر بعض الناس في هذه الآية : أنها نزلت في أهل الكتاب ، وسياق الكلام ومعانيه يقتضي أنها في كفار العرب . قوله عزّ وجل :

[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 10 إلى 11 ]

وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ( 10 ) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ( 11 ) قرئ « ولقد » بضم الدال مراعاة للضمة بعد الساكن الذي بعد الدال ، وقرئ بكسر الدال على عرف الالتقاء ، وهذه تسلية للنبي صلى اللّه عليه وسلم بالأسوة في الرسل وتقوية لنفسه على محاجّة المشركين وإخبار يتضمن وعيد مكذبيه والمستهزئين ، و « حاق » معناه نزل وأحاط ، وهي مخصوصة في الشر ، يقال حاق يحيق حيقا ومنه قول الشاعر :
فأوطأ جرد الخيل عقر ديارهم * وحاق بهم من بأس ضبة حائق
وقال قوم : أصل حاق حق فبدلت القاف الواحدة كما بدلت النون في تظننت .