تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 261

مساهمون:

ص٢٦١

[ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 114 إلى 115 ]

قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ( 114 ) قالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ ( 115 ) ذكر اللّه تعالى عن عيسى أنه أجابهم إلى دعاء اللّه في أمر المائدة . فروي أنه لبس جبة شعر ورداء شعر وقام يصلي ويبكي ويدعو . و
اللَّهُمَّ
عند سيبويه أصلها يا اللّه فجعلت الميمان بدلا من ياء و
رَبَّنا
منادى آخر ، ولا يكون صفة لأن
اللَّهُمَّ
يجري مجرى الأصوات من أجل ما لحقه من التغيير ، وقرأ الجمهور « تكون لنا » على الصفة للمائدة . وقرأ ابن مسعود والأعمش « تكن لنا » على جواب
أَنْزِلْ
والعيد : المجتمع واليوم المشهود ، وعرفه أن يقال فيما يستدير بالسنة أو بالشهر والجمعة ونحوه . وهو من عاد يعود . فأصله الواو ولكن لزمته الياء من أجل كسرة العين ، وقرأ جمهور الناس « لأولنا وآخرنا » وقرأ زيد بن ثابت وابن محيصن والجحدري : « لأولنا وأخرنا » . واختلف المتأولون في معنى ذلك ، فقال السدي وقتادة وابن جريج وسفيان : لأولنا معناه لأول الأمة ثم لمن بعدهم حتى لآخرها يتخذون ذلك اليوم عيدا . وروي عن ابن عباس أن المعنى يكون مجتمعا لجميعنا أولنا وآخرنا ، قال : وأكل من المائدة حين وضعت أول الناس كما أكل آخرهم . قال القاضي أبو محمد : فالعيد على هذا لا يراد به المستدير ، وقوله
وَآيَةً مِنْكَ
أي علامة على صدقي وتشريفي . فأجاب اللّه دعوة عيسى وقال
إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ
ثم شرط عليهم شرطه المتعارف في الأمم أنه من كفر بعد آية الاقتراح عذب أشد عذاب ، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم « إني منزّلها » بفتح النون وشد الزاي ، وقرأ الباقون « منزلها » بسكون النون ، والقراءتان متجهتان نزل وأنزل بمعنى واحد ، وقرأ الأعمش وطلحة بن مصرف ، « قال اللّه إني سأنزلها عليكم » ، واختلف الناس في نزول المائدة ، فقال الحسن بن أبي الحسن ومجاهد : إنهم لما سمعوا الشرط في تعذيب من كفر استعفوها فلم تنزل . قال مجاهد فهو مثل ضربه اللّه تعالى للناس لئلا يسألوا هذه الآيات ، وقال جمهور المفسرين : نزلت المائدة ، ثم اختلفت الروايات في كيفية ذلك ، فروى الشعبي عن أبي عبد الرحمن السلمي ، قال : نزلت المائدة خبزا وسمكا ، وقال عطية : المائدة سمكة فيها طعم كل طعام ، قال ابن عباس نزل خوان عليه خبز وسمك يأكلون منه أين ما نزلوا إذا شاءوا ، وقاله وهب بن منبه ، قال إسحاق بن عبد اللّه : نزلت المائدة عليها سبعة أرغفة وسبعة أحوات ، قال : فسرق منها بعضهم فرفعت ، وقال عمار بن ياسر : سألوا عيسى عليه السلام مائدة يكون عليها طعام لا ينفد ، فقيل لهم : فإنها مقيمة لكم وما لم تخبئوا أو تخونوا ، فإن فعلتم عذبتم قال فما مضى يوم حتى خبئوا وخانوا فمسخوا قردة وخنازير ، وقال ابن عباس في المائدة أيضا ، كان طعام ينزل عليهم حيث ما نزلوا ، وقال عمار بن ياسر : نزلت المائدة عليها ثمار من ثمار الجنة ، وقال ميسرة : كانت المائدة إذا وضعت لبني إسرائيل اختلفت عليها الأيدي بكل طعام إلا اللحم . قال القاضي أبو محمد : وكثر الناس في قصص هذه المائدة بما رأيت اختصاره لعدم سنده وقال قوم : لا يصح أن لا تنزل المائدة لأن اللّه تعالى أخبر أنه منزلها .