تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 256

مساهمون:

ص٢٥٦
الظَّالِمِينَ
في صيغة الاستعظام والاستقباح للظلم ، والظلم وضع الشيء في غير موضعه . قوله عزّ وجل :

[ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 108 إلى 109 ]

ذلِكَ أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ ( 108 ) يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ما ذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ ( 109 ) الإشارة ب
ذلِكَ
هي إلى جميع ما حد اللّه قبل من حبس الشاهدين من بعد الصلاة لليمين ، ثم إن عثر على جورهما ردت اليمين وغرما . فذلك كله يقرب اعتدال هذا الصنف فيما عسى أن ينزل من النوازل ، لأنهم يخافون التحليف المغلظ بعقب الصلاة ثم يخافون الفضيحة ورد اليمين ، هذا قول ابن عباس رحمه اللّه ، ويظهر من كلام السدي أن الإشارة ب
ذلِكَ
إنما هي إلى الحبس من بعد الصلاة فقط ، ثم يجيء قوله تعالى :
أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ
بإزاء
فَإِنْ عُثِرَ
[ المائدة : 107 ] الآية ، وجمع الضمير في
يَأْتُوا
و
يَخافُوا
إذ المراد صنف ونوع من الناس ، و
أَوْ
في هذه الآية على تأويل السدي بمنزلة قولك تجيئني يا زيد أو تسخطني كأنك تريد وإلا أسخطتني فكذلك معنى الآية . ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها وإلا خافوا رد الأيمان . وأما على مذهب ابن عباس فالمعنى ذلك الحكم كله أقرب إلى أن يأتوا وأقرب إلى أن يخافوا ، وقوله تعالى :
عَلى وَجْهِها
معناه على جهتها القويمة التي لم تبدل ولا حرفت ، ثم أمر تعالى بالتقوى التي هي الاعتصام باللّه وبالسمع لهذه الأمور المنجية ، وأخبر أنه لا يهدي القوم الفاسقين ، من حيث هم فاسقون ، وإلا فهو تعالى يهديهم إذا تابوا ، ويحتمل أن يكون لفظ
الْفاسِقِينَ
عاما والمراد الخصوص فيمن لا يتوب . وقوله تعالى : و
يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ
ذهب قوم من المفسرين إلى أن العامل في
يَوْمَ
ما تقدم من قوله
لا يَهْدِي
، وذلك ضعيف ، ورصف الآية وبراعتها ، إنما هو أن يكون هذا الكلام مستأنفا ، والعامل مقدر إما اذكروا وإما تذكروا وإما احذروا ونحو هذا مما حسن اختصاره لعلم السامع ، والإشارة بهذا اليوم إلى يوم القيامة ، وخص الرسل بالذكر لأنهم قادة الخلق ، وفي ضمن جمعهم جمع الخلائق وهم المكلمون أولا و
ما ذا أُجِبْتُمْ
معناه ما ذا أجابت به الأمم من إيمان أو كفر وطاعة أو عصيان ، وهذا السؤال للأنبياء الرسل إنما هو لتقوم الحجة على الأمم ويبتدأ حسابهم على الواضح المستبين لكل مفطور ، واختلف الناس في معنى قولهم عليهم السلام
لا عِلْمَ لَنا
فقال الطبري ذهلوا عن الجواب لهول المطلع ، وذكر عن الحسن أنه قال : لا علم لنا من هول ذلك اليوم . وعن السدي أنه قال : نزلوا منزلا ذهلت فيه العقول فقالوا لا علم لنا . ثم نزلوا منزلا آخر شهدوا على قومهم ، وعن مجاهد أنه قال : يفزعون فيقولون لا علم لنا . قال القاضي أبو محمد : وضعّف بعض الناس هذا المنزع بقوله تعالى :
لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ
[ الأنبياء : 103 ] والأنبياء في أشد أهوال يوم القيامة وحالة جواز الصراط يقولون سلم سلم وحالهم أعظم وفضل اللّه عليهم أكثر من أن تذهل عقولهم حتى يقولوا ما ليس بحق في نفسه ، وقال ابن عباس رضي اللّه