وقوله تعالى :
فَإِنْ عُثِرَ
استعارة لما يوقع على علمه بعد خفائه اتفاقا وبعد « إن » لم يرج ولم يقصد ، وهذا كما يقال على الخبير سقطت ، ووقعت على كذا ، قال أبو علي : والإثم هنا اسم الشيء المأخوذ لأن آخذه يأخذه إثم ، فسمي آثما كما سمي ما يؤخذ بغير حق مظلمة ، قال سيبويه : المظلمة اسم ما أخذ منك ، وكذلك سمي هذا المأخوذ باسم المصدر .
قال القاضي أبو محمد : والذي يظهر هنا أن الإثم على بابه وهو الحكم اللاحق لهما والنسبة التي يتحصلان فيها بعد مواقعتهما لتحريف الشهادة أو لأخذ ما ليس لهما أو نحو ذلك ، و
اسْتَحَقَّا
معناه استوجباه من اللّه وكانا أهلا له فهذا استحقاق على بابه ، إنه استيجاب حقيقة ، ولو كان الإثم الشيء المأخوذ لم يقل فيه « استحقا » لأنهما ظلما وخانا فيه ، فإنما استحقا منزلة السوء وحكم العصيان ، وذلك هو الإثم ، وقوله تعالى :
فَآخَرانِ
أي فإذا عثر على فسادهما فالأوليان باليمين وإقامة القضية آخران من القوم الذين هم ولاة الميت واستحق عليهم حظهم أو ظهورهم أو مالهم أو ما شئت من هذه التقديرات ، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو والكسائي « استحق » مضمومة التاء . و
الْأَوْلَيانِ
على التثنية لأولى وروى قرة عن ابن كثير « استحق » بفتح التاء « الأوليان » على التثنية وكذلك روى حفص عن عاصم ، وقرأ حمزة وعاصم في رواية أبي بكر « استحق » بضم التاء « الأولين » على جمع أول ، وقرأ الحسن بن أبي الحسن « استحق » بفتح التاء « الأولان » على تثنية أول ، وقرأ ابن سيرين « الأولين » على تثنية أول ، ونصبهما على تقدير الأولين ، فالأولين في الرتبة والقربى ، قال أبو علي في قراءة ابن كثير ومن معه لا يخلو ارتفاع الأوليان من أن يكون على الابتداء وقد أخر فكأنه في التقدير و « الأوليان » بأمر الميت آخران يقومان ، فيجيء الكلام كقولهم تميمي أنا ، أو يكون خبر ابتداء محذوف كأنه فآخران يقومان مقامهما هما الأوليان ، أو يكون بدلا من الضمير الذي في يقومان ، أو يكون مسندا إليه استحق ، وأجاز أبو الحسن فيه شيئا آخر ، وهو أن يكون « الأوليان » صفة ل « آخران » ، لأنه لما وصف خصص فوصف من أجل الاختصاص الذي صار له .
قال القاضي أبو محمد : ثم قال أبو علي بعد كلامه هذا : فأما ما يسند إليه « استحق » فلا يخلو من أن يكون الأنصباء أو الوصية ، أو الإثم . وسمي المأخوذ إثما كما يقال لما يؤخذ من المظلوم مظلمة . ولذلك جاز أن يستند إليه
اسْتَحَقَّ
. ثم قال بعد كلام : فإن قلت هل يجوز أن يسند
اسْتَحَقَّ
إلى
الْأَوْلَيانِ
. فالقول إن ذلك لا يجوز لأن المستحق إنما يكون الوصية أو شيئا منها . وأما الأوليان بالميت فلا يجوز أن يستحقا فيسند استحق إليهما .
قال القاضي أبو محمد : وفي هذا الكلام نظر . ويجوز عندي أن يسند
اسْتَحَقَّ
إلى
الْأَوْلَيانِ
.
وذلك أن أبا علي حمل لفظة الاستحقاق على أنه حقيقي فلم يجوزه إلا حيث يصح الاستحقاق الحقيقي في النازلة ، وإنما يستحق حقيقة النصيب ونحوه . ولفظة الاستحقاق في الآية إنما هي استعارة وليست بمعنى استحقا إثما فإن الاستحقاق هنا حقيقة وفي قوله استحق مستعار ، لأنه لا وجه لهذا الاستحقاق إلا الغلبة على الحال بحكم انفراد هذا الميت وعدمه لقرابته أو لأهل دينه . فاستحق هنا كما تقول لظالم يظلمك هذا قد استحق علي مالي أو منزلي بظلمه فتشبهه بالمستحق حقيقة . إذ قد تسور تسوره وتملك تملكه .
وكذلك يقال فلان قد استحق ومنه شغل كذا إذا كان ذلك الأمر قد غلبه على أوقاته ، وهكذا هي استحق في