والأسى الحزن يقال أسي الرجل يأسى أسى إذا حزن ، ومنه قول الراجز :
وانحلبت عيناه من فرط الأسى .
وأسند الطبري إلى ابن عباس قال : جاء رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم رافع بن جارية وسلام بن مشكم ومالك بن الصيف ورافع بن حريملة فقالوا : يا محمد ألست تزعم أنك على ملة إبراهيم وأنك تؤمن بالتوراة وبنبوة موسى وأن جميع ذلك حق ؟ قال : بلى ، ولكنكم أحدثتم وغيرتم وكتمتم ، فقالوا : إنّا نأخذ بما في أيدينا فإنه الحق ولا نصدقك ولا نتبعك ، فنزلت الآية بسبب ذلك
قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ
الآية .
قوله عزّ وجل :
[ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 69 إلى 70 ]
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصارى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 69 ) لَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَأَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ ( 70 )
الَّذِينَ
لفظ عام لكل مؤمن من ملة محمد ومن غيرها من الملل ، فكأن ألفاظ الآية حصر بها الناس كلهم وبينت الطوائف على اختلافها ، وهذا تأويل جمهور المفسرين ، وقال الزجاج المراد بقوله :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا
المنافقون ، فالمعنى ان الذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم .
قال القاضي أبو محمد : فكأن ألفاظ الآية عدت الطوائف التي يمكن أن تنتقل إلى الإيمان ، ثم نفى عنهم الخوف والحزن بشرط انتقالهم إلى الإيمان باللّه واليوم الآخر ، وعلى التأويل الأول يكون قوله
مَنْ آمَنَ
في حيز المؤمنين بمعنى ثبت واستمر ، وقد تقدم تفسير
هادُوا
وتفسير « الصابئين » وتفسير
النَّصارى
في سورة البقرة ، واختلف القراء في إعراب الصابئين في هذه الآية فقرأ الجمهور و « الصابئون » بالرفع وعليه مصاحف الأمصار والقراء السبعة ، وقرأ عثمان بن عفان وعائشة وأبي بن كعب وسعيد بن جبير والجحدري « والصابين » وهذه قراءة بينة الإعراب ، وقرأ الحسن بن أبي الحسن والزهري « والصابيون » بكسر الباء وضم الياء دون همز ، وقد تقدم في سورة البقرة ، وأما قراءة الجمهور « والصابئون » فمذهب سيبويه والخليل ونحاة البصرة أنه من المقدم الذي معناه التأخير وهو المراد به ، كأنه قال « إن الذين آمنوا والذين هادوا من آمن باللّه واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، والصابئون والنصارى » كذلك ، وأنشد الزجاج نظيرا في ذلك :
وإلا فاعلموا أنا وأنتم * بغاة ما بقينا في شقاق
فقوله وأنتم مقدم في اللفظ مؤخر في المعنى أي وأنتم كذلك ، وحكى الزجّاج عن الكسائي والفراء أنهما قالا : و
الصَّابِئُونَ
عطف على
الَّذِينَ
، إذ الأصل في
الَّذِينَ
الرفع وإذ نصب
إِنَّ
ضعيف وخطأ الزجّاج هذا القول وقال :
إِنَّ
أقوى النواصب ، وحكي أيضا عن الكسائي أنه قال و
الصَّابِئُونَ
عطف على الضمير في
هادُوا
والتقدير هادوا هم والصابئون ، وهذا قول يرده المعنى لأنه يقتضي أن الصابئين هادوا ، وقيل إن معنى نعم ، وما بعدها مرفوع بالابتداء ، وروي عن بعضهم أنه قرأ « والصابئون » بالهمز ، واتصال هذه