تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 218

مساهمون:

ص٢١٨
حالهم فكان يلقى منهم عنتا وربما خافهم أحيانا قبل نزول هذه الآية ، فقال اللّه له
بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ
أي كاملا متمما ، ثم توعده تعالى بقوله :
وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ
، أي إنك إن تركت شيئا فكأنما قد تركت الكل ، وصار ما بلغت غير معتدّ به ، فقوله تعالى :
وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ
معناه وإن لم تستوف ، ونحو هذا قول الشاعر :
سئلت فلم تمنع ولم تعط نائلا * فسيان لا ذم عليك ولا حمد
أي ولم تعط ما يعد نائلا وإلا فيتكاذب البيت ، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي « فما بلغت رسالته » على الإفراد . وقرءوا في الأنعام
حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ
[ الأنعام : 124 ] على الجمع ، وكذلك في الأعراف
بِرِسالاتِي
[ الأعراف : 144 ] ، وقرأ ابن كثير في المواضع الثلاثة بإفراد الرسالة ، وقرأ نافع « رسالاته » بالجمع ، وكذلك في الأنعام ، وأفرد في الأعراف ، وقرأ ابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر بجمع الرسالة في المواضع الثلاثة ، وروى حفص عن عاصم الإفراد في العقود والأنعام ، والجمع في الأعراف ، فمن أفرد الرسالة فلأن الشرع كله شيء واحد وجملة بعضها من بعض ، ومن جمع فمن حيث الشرع معان كثيرة وورد دفعا في أزمان مختلفة ، وقالت عائشة أم المؤمنين رضي اللّه عنها : من زعم أن محمدا كتم شيئا من الوحي فقد أعظم الفرية ، واللّه تعالى يقول :
يا أَيُّهَا الرَّسُولُ
الآية ، وقال عبد اللّه بن شقيق : كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يتعقبه أصحابه يحرسونه ، فلما نزلت
وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ
خرج فقال : يا أيها الناس الحقوا بملاحقكم فإن اللّه قد عصمني ، وقال محمد بن كعب القرظي : نزلت
وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ
بسبب الأعرابي الذي اخترط سيف النبي صلى اللّه عليه وسلم ليقتله به . قال القاضي أبو محمد : هو غورث بن الحارث ، والقصة في غزوة ذات الرقاع ، وقال ابن جريج كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يهاب قريشا فلما نزلت هذه الآية إلى قوله
وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ
استلقى وقال : من شاء فليخذلني ، مرتين أو ثلاثا ، و
يَعْصِمُكَ
معناه يحفظك ويجعل عليك وقاية ، ومنه قوله تعالى :
يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ
[ هود : 43 ] ومنه قول الشاعر :
فقلت عليكم مالكا إن مالكا * سيعصمكم إن كان في الناس عاصم
وهذه العصمة التي في الآية هي من المخاوف التي يمكن أن توقف عن شيء من التبليغ كالقتل والأسر والأذى في الجسم ونحوه ، وأما أقوال الكفار ونحوها فليست في الآية ، وقوله تعالى :
لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ
إما على الخصوص فيمن سبق في علم أنه لا يؤمن ، وإما على العموم على أن لا هداية في الكفر ، ولا يهدي اللّه الكافر في سبل كفره . ثم أمر تعالى نبيه محمدا عليه السلام أن يقول لأهل الكتاب الحاضرين معه
لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ
أي على شيء مستقيم حتى تقيموا التوراة والإنجيل ، وفي إقامة هذين الإيمان بمحمد صلى اللّه عليه وسلم ، وقوله تعالى :
وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ
يعني به القرآن ، قاله ابن عباس وغيره ثم أخبر تعالى نبيه أنه سيطغى كثير منهم بسبب نبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم ويزيده نزول القرآن والشرع كفرا وحسدا ، ثم سلاه عنهم وحقرهم بقوله
فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ
أي لا تحزن إذ لم يؤمنوا ولا تبال عنهم ،