تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 195

مساهمون:

ص١٩٥
أمن اللّه تعالى نبيه صلى اللّه عليه وسلم من ضررهم إذ أعرض عنهم وحقر في ذلك شأنهم ، والمعنى أنك منصور ظاهر الأمر على كل حال ، وهذا نحو من قوله تعالى للمؤمنين
لَنْ يَضُرُّوكُمْ
[ آل عمران : 111 ] ثم قال تعالى :
وَإِنْ حَكَمْتَ
أي اخترت أن تحكم بينهم في نازلة ما
فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ
أي بالعدل ، يقال أقسط الرجل إذا عدل وحكم بالحق وقسط إذا جار ، ومنه قوله :
وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً
[ الجن : 15 ] ومحبة اللّه للمقسطين ما يظهر عليهم من نعمه . ثم ذكر اللّه تعالى بعد تحكيمهم للنبي صلى اللّه عليه وسلم بالإخلاص منهم ويبين بالقياس الصحيح أنهم لا يحكمونه إلا رغبة في ميله في هواهم وانحطاطه في شهواتهم ، وذلك أنه قال :
وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ
بنية صادقة وهم قد خالفوا حكم الكتاب الذي يصدقون به وبنبوة الآتي به وتولوا عن حكم اللّه فيها ؟ فأنت الذي لا يؤمنون بك ولا يصدقونك أحرى بأن يخالفوا حكمك ، وقوله تعالى :
مِنْ بَعْدِ ذلِكَ
أي من بعد حكم اللّه في التوراة في الرجم وما أشبهه من الأمور التي خالفوا فيها أمر اللّه تعالى ، وقوله تعالى :
وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ
يعني بالتوراة وبموسى ، وهذا إلزام لهم لأن من خالف حكم كتاب اللّه فدعواه الإيمان به قلقة . وهذه الآية تقوي أن قوله في صدر الآية
مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ
[ المائدة : 41 ] أنه يراد به اليهود . وقوله تعالى :
إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ
الآية ، قال قتادة ذكر لنا أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يقول لما أنزلت هذه الآية ، نحن اليوم نحكم على اليهود وعلى من سواهم من أهل الأديان . و « الهدى » : الإرشاد في المعتقد والشرائع ، و « النور » : ما يستضاء به من أوامرها ونواهيها ، و
النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا
هم من بعث من لدن موسى بن عمران إلى مدة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، هذان طرفا هذه الجماعة المذكورة في هذه الآية و
أَسْلَمُوا
معناه أخلصوا وجوههم ومقاصدهم للّه تعالى . وقوله تعالى :
لِلَّذِينَ هادُوا
متعلق ب
يَحْكُمُ
أي يحكمون بمقتضى التوراة لبني إسرائيل وعليهم . وقوله تعالى :
الرَّبَّانِيُّونَ
عطف على « النبيين » أي ويحكم بها الربانيون وهم العلماء ، وفي البخاري قال « الرباني » الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره ، وقيل « الرباني » منسوب إلى الرب أي عنده العلم به وبدينه ، وزيدت النون في « رباني » مبالغة كما قالوا منظراني ومخبراني وفي عظيم الرقبة رقباني ، والأحبار أيضا العلماء واحدهم حبر بكسر الحاء ، ويقال بفتحها وكثر استعمال الفتح فيه للفرق بينه وبين الحبر الذي يكتب به . وقال السدي المراد هنا « بالربانيين والأحبار » الذين يحكمون بالتوراة ابنا صوريا كان أحدهم ربانيا والآخر حبرا . وكانوا قد أعطوا النبي صلى اللّه عليه وسلم عهدا أن لا يسألهما عن شيء من أمر التوراة إلا أخبراه به ، فسألهما عن آية الرجم فأخبراه به على وجهه فنزلت الآية مشيرة إليهما . قال القاضي أبو محمد : وفي هذا نظر ، والرواية الصحيحة أن ابني صوريا وغيرهم جحدوا أمر الرجم