تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 192

مساهمون:

ص١٩٢
من اليهود ووصفهم بأنهم
قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ
إلزاما منه ذلك لهم من حيث حرفوا توراتهم وبدلوا أحكامها ، فهم يقولون بأفواههم نحن مؤمنون بالتوراة وبموسى ، وقلوبهم غير مؤمنة من حيث بدلوها وجحدوا ما فيها من نبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم وغير ذلك مما كفر بهم ، ويؤيد هذا التأويل قوله بعد هذا ،
وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ
[ المائدة : 42 ] ، ويجيء على هذا التأويل قوله :
وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا
كأنه قال ومنهم لكن صرح بذكر اليهود من حيث الطائفة السماعة غير الطائفة التي تبدل التوراة على علم منها . وقرأ جمهور الناس « سماعون » ، وقرأ الضحاك « سماعين » ، ووجهها عندي نصب على الذم على ترتيب من يقول لا يحزنك المسارعون من هؤلاء « سماعين » ، وأما المعنى في قوله :
سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ
فيحتمل أن يكون صفة للمنافقين ولبني إسرائيل لأن جميعهم يسمع الكذب بعضهم من بعض ويقبلونه ، ولذلك جاءت عبارة سماعهم في صيغة المبالغة ، وإذ المراد أنهم يقبلون ويستزيدون من ذلك المسموع ، وقوله تعالى :
لِلْكَذِبِ
يحتمل أن يريد
سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ
ويحتمل أن يريد « سماعون منك أقوالك » من أجل أن يكونوا عليك وينقلوا حديثك ويزيدوا مع الكلمة أضعافها كذبا ، وقرأ الحسن وعيسى بن عمر « للكذب » بكسر الكاف وسكون الذل ، وقوله تعالى :
سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ
يحتمل أن يريد يسمعون منهم ، وذكر الطبري عن جابر أن المراد بالقوم الآخرين يهود فدك ، وقيل يهود خيبر ، وقيل أهل الزانيين ، وقيل أهل الخصام في القتل والدية ، وهؤلاء القوم الآخرون هم الموصوفون بأنهم لم يأتوا النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ويحتمل أن يكون معنى
سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ
بمعنى جواسيس مسترقين للكلام لينقلوه لقوم آخرين ، وهذا مما يمكن أن يتصف به المنافقون ويهود المدينة ، وقيل لسفيان بن عيينة هل جرى للجاسوس ذكر في كتاب اللّه عزّ وجل ، فقالوا نعم ، وتلا هذه الآية :
سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ
. قوله عزّ وجل :
يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ . . . .
قرأ جمهور الناس « الكلم » بفتح الكاف وكسر اللام ، وقرأ بعض الناس « الكلم » بكسر الكاف وسكون اللام وهي لغة ضعيفة في كلمة ، وقوله تعالى :
يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ
صفة لليهود فيما حرفوا من التوراة إذ ذاك أخطر أمر حرفوا فيه . ويحتمل أن يكون صفة لهم وللمنافقين فيما يحرفون من الأقوال عند كذبهم ، لأن مبادئ كذبهم لا بد أن تكون من أشياء قيلت أو فعلت ، وهذا هو الكذب المزين الذي يقرب قبوله ، وأما الكذب الذي لا يرفد بمبدإ فقليل الأثر في النفس ، وقوله :
مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ
أي من بعد أن وضع مواضعه وقصدت به وجوهه القويمة ، والإشارة بهذا قيل هي إلى التحميم والجلد في الزنا ، وقيل : هي إلى قبول الدية في أمر القتل ، وقيل إلى إبقاء عزة النضير على قريظة ، وهذا بحسب الخلاف المتقدم في الآية ،