تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 163

مساهمون:

ص١٦٣
ذلك عن ضرورة مرض فينبغي أن لا يختلف في الاجزاء ، ومن مواضع الخلاف عدد المسحات ، فالجمهور على مرة واحدة ويجزئ ذلك عند الشافعي وثلاثا أحب إليه وروي عن ابن سيرين أنه مسح رأسه مرتين ، وروي عن أنس أنه قال يمسح الرأس ثلاثا ، وقاله سعيد بن جبير وعطاء وميسرة ، والباء في قوله
بِرُؤُسِكُمْ
مؤكدة زائدة عند من يرى عموم الرأس ، والمعنى عنده وامسحوا رءوسكم ، وهي للإلزاق المحض عند من يرى إجزاء بعض الرأس كأن المعنى أوجدوا مسحا برءوسكم فمن مسح شعرة فقد فعل ذلك ، ثم اتبعوا في المقادير التي حدوها آثارا وأقيسة بحسب اجتهاد العلماء رحمهم اللّه . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة « وأرجلكم » خفضا وقرأ نافع وابن عامر والكسائي وأرجلكم نصبا ، وروى أبو بكر عن عاصم الخفض ، وروى عنه حفص النصب ، وقرأ الحسن والأعمش « وأرجلكم » بالرفع المعنى فاغسلوها ، ورويت عن نافع ، وبحسب هذا اختلاف الصحابة والتابعين ، فكل من قرأ بالنصب جعل العامل اغسلوا وبنى على أن الفرض في الرجلين الغسل بالماء دون المسح ، وهنا هو الجمهور وعليه علم فعل النبي صلى اللّه عليه وسلم وهو اللازم من قوله صلى اللّه عليه وسلم وقد رأى قوما يتوضئون وأعقابهم تلوح فنادى بأعلى صوته ، « ويل للأعقاب من النار » ومن قرأ بالخفض جعل العامل أقرب العاملين ، واختلفوا ، فقالت فرقة منهم ، الفرض في الرجلين المسح لا الغسل وروي عن ابن عباس أنه قال : الوضوء غسلتان ومسحتان ، وروي أن الحجاج خطب بالأهواز فذكر الوضوء فقال : اغسلوا وجوهكم وأيديكم وامسحوا برءوسكم وأرجلكم وأنه ليس شيء من ابن آدم أقرب من خبثه من قدميه « فاغسلوا » بطونهما وظهورهما وعراقيبهما فسمع ذلك أنس بن مالك فقال صدق اللّه وكذب الحجاج قال اللّه تعالى :
وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ
قال وكان أنس إذا مسح رجليه بلهما ، وروي أيضا عن أنس أنه قال : نزل القرآن بالمسح والسنة بالغسل وكان عكرمة يمسح على رجليه وليس في الرجلين غسل إنما نزل فيهما المسح . وقال الشعبي : نزل جبريل بالمسح ثم قال : ألا ترى أن التيمم يمسح فيه ما كان غسلا ويلغى ما كان مسحا وروي عن أبي جعفر أنه قال : امسح على رأسك وقدميك ، وقال قتادة : افترض اللّه غسلتين ومسحتين ، وكل من ذكرنا فقراءته « وأرجلكم » بكسر اللام ، وبذلك قرأ علقمة والأعمش والضحاك وغيرهم ، وذكرهم الطبري تحت ترجمة القول بالمسح ، وذهب قوم ممن يقر بكسر اللام إلى أن المسح في « الرجلين » هو الغسل ، وروي عن أبي زيد أن العرب تسمي الغسل الخفيف مسحا ويقولون تمسحت للصلاة بمعنى غسلت أعضائي ، وقال أبو عبيدة وغيره في تفسير قوله تعالى :
فَطَفِقَ مَسْحاً
[ ص : 33 ] أنه الضرب ، ويقال : مسح علاوته إذا ضربه ، قال أبو علي : فهذا يقوي أن المراد بمسح الرجلين الغسل ، ومن الدليل على أن مسح الرجلين يراد به الغسل أن الحد قد وقع فيهما ب
إِلَى
كما وقع في الأيدي وهي مغسولة ولم يقع في الممسوح حد . قال القاضي أبو محمد : ويعترض هذا التأويل بترك الحد في الوجه فكان الوضوء مغسولين حد أحدهما وممسوحين حد أحدهما ، وقال الطبري رحمه اللّه إن مسح الرجلين هو بإيصال الماء إليهما ثم
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 163 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى