تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 140

مساهمون:

ص١٤٠
إِنَّمَا
في هذه الآية حاصرة ، اقتضى ذلك العقل في المعنى المتكلم فيه ، وليست صيغة
إِنَّما *
تقتضي الحصر ، ولكنها تصلح للحصر وللمبالغة في الصفة وإن لم يكن حصر ، نحو : إنما الشجاع عنترة وغير ذلك . و
سُبْحانَهُ
: معناه تنزيها له وتعظيما عن أن يكون له ولد كما تزعمون أنتم أيها النصارى في أمر عيسى ، إذ نقلتم أبوة الحنان والرأفة إلى أبوة النسل ، وقرأ الحسن بن أبي الحسن « إن يكون له ولد » بكسر الألف من « أن » وهي نافية بمعنى ما يكون له ولد ، وقوله تعالى :
لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
الآية : إخبار يستغرق عبودية عيسى وغير ذلك من الأمور . قوله تعالى :

[ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 172 إلى 173 ]

لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً ( 172 ) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذاباً أَلِيماً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً ( 173 ) ثم برأ تعالى جهة المسيح عليه السلام من أقوالهم ، وخلصه للذي يليق به فقال
لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ
الآية ، والاستنكاف : إباية بأنفة ، وقوله تعالى :
وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ
زيادة في الحجة وتقريب من الأذهان ، أي ولا هؤلاء الذين هم في أعلى درجات المخلوقين ، لا يستنكفون عن ذلك فكيف سواهم ، وفي هذه الآية الدليل الواضح على تفضيل الملائكة على الأنبياء ، ثم أخبر تعالى عمن يستنكف أي يأنف عن عبادة اللّه ويستكبر ، بأنه سيناله الحشر يوم القيامة والرد إلى اللّه ، وقوله
فَسَيَحْشُرُهُمْ
عبارة وعيد ، وقرأ جمهور الناس « فسيحشرهم » بالياء ، وقرأ الحسن بن أبي الحسن « فسنحشرهم » بنون الجماعة ، « فنوفيهم » ، « ونزيدهم » ، « فنعذبهم » ، كلها بالنون ، قال أبو الفتح : وقرأ مسلمة « فسيحشرهم » « فيعذبهم » بسكون الراء والباء على التخفيف . وبين اللّه تعالى أمر المحشورين ، فأخبر عن المؤمنين العاملين بالصالحات ، أنه « يوفيهم أجورهم » حتى لا يبخس أحد قليلا ولا كثيرا ، وأنه يزيدهم من فضله ، وتحتمل هذه الزيادة أن تكون المخبر عنها في أن الحسنة بعشر إلى سبعمائة ضعف ، ويحتمل أن يكون التضعيف الذي هو غير مصرد محسوب ، وهو المشار إليه في قوله تعالى :
وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ
[ البقرة : 261 ] . قوله تعالى :
وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا . . . .
هذا وعيد للمستنكفين الذين يدعون عبادة اللّه أنفة وتكبرا ، وهذا الاستنكاف إنما يكون من الكفار عن اتباع الأنبياء وما جرى مجراه ، كفعل حيي بن أخطب وأخيه أبي ياسر بمحمد عليه السلام ، وكفعل أبي
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 140 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى