و « السبيل » : الحجة والغلبة ، ومخادعة المنافقين هي لأولياء اللّه تعالى ، إذ يظنونهم غير أولياء ، ففي الكلام حذف مضاف ، وإلزام ذنب اقتضته أفعالهم ، وإن كانت نياتهم لم تقتضه ، لأنه لا يقصد أحد من البشر مخادعة اللّه تعالى وقوله
وَهُوَ خادِعُهُمْ
أي منزل الخداع بهم ، وهذه عبارة عن عقوبة سماها باسم الذنب ، فعقوبتهم في الدنيا ذلهم وخوفهم وغم قلوبهم ، وفي الآخرة عذاب جهنم ، وقال السدي وابن جريج والحسن وغيرهم من المفسرين : إن هذا الخدع هو أن اللّه تعالى يعطي لهذه الأمة يوم القيامة نورا لكل إنسان مؤمن أو منافق ، فيفرح المنافقون ويظنون أنهم قد نجوا ، فإذا جاءوا إلى الصراط طفئ نور كل منافق ، ونهض المؤمنون بذاك ، فذلك قول المنافقين « انظرونا نقتبس من نوركم » وذلك هو الخدع الذي يجري على المنافقين ، وقرأ مسلمة بن عبد اللّه النحوي « وهو خادعهم » بإسكان العين وذلك على التخفيف ثم ذكر تعالى كسلهم في القيام إلى الصلاة ، وتلك حال كل من يعمل العمل كارها غير معتقد فيه الصواب تقية أو مصانعة ، وقرأ ابن هرمز الأعرج « كسالى » بفتح الكاف ، وقرأ جمهور الناس « يرءّون » بهمزة مضمومة مشددة بين الراء والواو دون ألف ، وهي تعدية رأى بالتضعيف وهي أقوى في المعنى من
يُراؤُنَ
لأن معناها يحملون الناس على أن يروهم ، ويتظاهرون لهم بالصلاة وهم يبطنون النفاق ، وتقليله ذكرهم يحتمل وجهين ، قال الحسن : قل لأنه كان لغير اللّه ، فهذا وجه ، والآخر أنه قليل بالنسبة إلى خوضهم في الباطل وقولهم الزور والكفر ، و
مُذَبْذَبِينَ
معناه : مضطربين لا يثبتون على حال ، والتذبذب : الاضطراب بخجل أو خوف أو إسراع في مشي ونحوه ، ومنه قول النابغة :
ترى كل ملك دونها يتذبذب
ومنه قول الآخر : [ البعيث بن حريث ] :
خيال لأمّ السّلسبيل ودونها * مسيرة شهر للبريد المذبذب
بكسر الذال الثانية ، قال أبو الفتح : أي المهتز القلق الذي لا يثبت ، ولا يتمهل فهؤلاء المنافقون مترددون بين الكفار والمؤمنين ، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء كما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « مثل المنافق مثل الشاة العائرة بين الغنمين » ، فالإشارة بذلك إلى حالي الكفر والإيمان ، وأشار إليه وإن لم يتقدم ذكره ، لظهور تضمن الكلام له ، كما جاء
حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ
[ ص : 32 ] و
كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ
[ الرحمن : 26 ] وقرأ جمهور الناس « مذبذبين » بفتح الذال الأولى والثانية ، وقرأ ابن عباس وعمرو بن فائد ، « مذبذبين » بكسر الذال الثانية ، وقرأ أبي بن كعب « متذبذبين » بالتاء وكسر الذال الثانية ، وقرأ الحسن بن أبي الحسن « مذبذبين » بفتح الميم والذالين وهي قراءة مردودة . وقوله تعالى :
فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا
معناه سبيل هدى وإرشاد .
قوله تعالى :
[ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 144 إلى 147 ]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَ تُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً مُبِيناً ( 144 ) إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً ( 145 ) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً ( 146 ) ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكانَ اللَّهُ شاكِراً عَلِيماً ( 147 )