تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 104

مساهمون:

ص١٠٤
في الأرض فكيف نصلي ؟ فأنزل اللّه تعالى
وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ
ثم انقطع الكلام ، فلما كان بعد ذلك بحول غزا النبي عليه السلام ، فصلى الظهر ، فقال المشركون : لقد أمكنكم محمد وأصحابه من ظهورهم ، فهلا شددتم عليهم ، فقال قائل منهم : إن لهم أخرى في أثرها ، فأنزل اللّه تعالى بين الصلاتين
إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا
إلى آخر صلاة الخوف ، وذكر الطبري في سرد هذه المقالة حديث يعلى بن أمية قال : قلت لعمر بن الخطاب ، إن اللّه تعالى يقول
إِنْ خِفْتُمْ
وقد أمن الناس ، فقال عجبت مما عجبت منه ، فسألت رسول اللّه عن ذلك فقال : « صدقة تصدق اللّه بها عليكم فاقبلوا صدقته » ، قال الطبري : وهذا كله قول حسن ، إلا أن قوله تعالى :
وَإِذا كُنْتَ
تؤذن بانقطاع ما بعدها مما قبلها ، فليس يترتب من لفظ الآية ، إلا أن القصر مشروط بالخوف ، وفي قراءة أبيّ بن كعب « أن تقصروا من الصلاة أن يفتنكم الذين كفروا » - بسقوط
إِنْ خِفْتُمْ
وثبتت في مصحف عثمان رضي اللّه عنه ، وذهبت جماعة أخرى إلى أن هذه الآية إنما هي مبيحة القصر في السفر للخائف من العدو ، فمن كان آمنا فلا قصر له ، وروي عن عائشة أنها كانت تقول في السفر : أتموا صلاتكم ، فقالوا : إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يقصر ، فقالت : إنه كان في حرب وكان يخاف ، وهل أنتم تخافون ؟ وقال عطاء : كان يتم الصلاة من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عائشة وسعد بن أبي وقاص ، وأتم عثمان بن عفان ، ولكن علل ذلك بعلل غير هذه ، وكذلك علل إتمام عائشة أيضا بغير هذا وقال آخرون : القصر المباح في هذه الآية إنما هو قصر الركعتين إلى ركعة ، والركعتان في السفر إنما هي تمام ، وقصرها أن تصير ركعة ، قال السدي : إذا صليت في السفر ركعتين فهو تمام ، والقصر لا يحل إلا أن يخاف ، فهذه الآية مبيحة أن تصلي كل طائفة ركعة لا تزيد عليها شيئا ، ويكون للإمام ركعتان ، وروي عن ابن عمر رضي اللّه عنه أنه قال : ركعتان في السفر تمام غير قصر ، إنما القصر في صلاة المخافة يصلي الإمام بطائفة ركعة ، ثم يجيء هؤلاء فيصلي بهم ركعة ، فتكون للإمام ركعتان ولهم ركعة ، ركعة ، وقال نحو هذا سعيد بن جبير وجابر بن عبد اللّه وكعب من أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وفعله حذيفة بطبرستان وقد سأله الأمير سعيد بن العاصي ذلك ، وروى ابن عباس : أن النبي صلى اللّه عليه وسلم صلى كذلك في غزوة ذي قرد ركعة بكل طائفة ولم يقضوا ، وقال مجاهد عن ابن عباس : فرض اللّه الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعا ، وفي السفر ركعتين ، وفي الخوف ركعة ، وروى جابر بن عبد اللّه : أن النبي صلى اللّه عليه وسلم صلى كذلك بأصحابه يوم حارب خصفة وبني ثعلبة ، وروى أبو هريرة : أن النبي صلى اللّه عليه وسلم صلى كذلك بين ضجنان وعسفان ، وقال آخرون : هذه الآية مبيحة القصر من حدود الصلاة وهيئتها عند المسايفة واشتعال الحرب ، فأبيح لمن هذه حاله أن يصلي إيماء برأسه ، ويصلي ركعة واحدة حيث توجه إلى تكبيرتين إلى تكبيرة على ما تقدم من أقوال العلماء في تفسير قوله تعالى :
فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أَوْ رُكْباناً
[ البقرة : 239 ] ورجح الطبري هذا القول ، وقال : إنه يعادله قوله
فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ
أي بحدودها وهيئتها الكاملة ، وقرأ الجمهور « تقصروا » بفتح التاء وضم الصاد ، وروى الضبي عن أصحابه « تقصروا » بضم التاء وكسر الصاد وسكون القاف وقرأ الزهري « تقصّروا » بضم التاء وفتح القاف وكسر الصاد وشدها . و
يَفْتِنَكُمُ
معناه : يمتحنكم بالحمل عليكم وإشغال نفوسكم في صلاتكم ، ونحو
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 104 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى