يكون خطابا لمعاصري النبي عليه السلام يوم نزول الآية ، ونسب هذا التقديم إلى اليد إذ هي الكاسبة للأعمال في غالب أمر الإنسان ، فأضيف كل كسب إليها ، ثم بين تعالى : أنه يفعل هذا بعدل منه فيهم ووضع الشيء موضعه ، والتقدير : وبأن اللّه
لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
وجمع « عبدا » في هذه الآية على عبيد ، لأنه مكان تشفيق وتنجية من ظلم .
وقوله تعالى :
الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا
صفة راجعة إلى قوله :
الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ
وقال الزجاج :
الَّذِينَ
صفة للعبيد ، وهذا مفسد للمعنى والرصف ، وهذه المقالة قالتها أحبار يهود مدافعة لأمر النبي صلى اللّه عليه وسلم أي إنك لا تأتي بنار فنحن قد عهد إلينا أن لا نؤمن لك ، و
عَهِدَ
معناه : أمر والعهد : أخص من الأمر ، وذلك أنه في كل ما يتطاول أمره ويبقى في غابر الزمان ، وتعدى « آمن » في هذه الآية باللام والباء في ضمن ذلك ، « وقربان » مصدر سمي به الشيء الذي يقرب كالرهن ، وكان أمر القربان حكما قديما في الأنبياء ، ألا ترى أن ابني آدم قربا قربانا ، وذلك أنهم كانوا إذا أرادوا معرفة قبول اللّه تعالى لصدقة إنسان أو عمله أو صدق قوله ، قرب قربانا شاة أو بقرة ذبيحة أو بعض ذلك وجعله في مكان للهواء وانتظر به ساعة ، فتنزل نار من السماء فتحرق ذلك الشيء ، فهذه علامة القبول ، وإذا لم تنزل النار فليس ذلك العمل بمقبول ، ثم كان هذا الحكم في أنبياء بني إسرائيل ، وكانت هذه النار أيضا تنزل لأموال الغنائم فتحرقها ، حتى أحلت الغنائم لمحمد صلى اللّه عليه وسلم حسب الحديث وروي عن عيسى بن عمر ، أنه كان يقرأ « بقربان » بضم الراء وذلك للاتباع لضمة القاف وليست بلغة ، لأنه ليس في الكلام فعلان بضم الفاء والعين ، وقد حكى سيبويه : السلطان بضم اللام ، وقال : إن ذلك على الاتباع .
قوله تعالى :
قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ . . .
هذا رد عليهم في مقالتهم وتبيين لإبطالهم ، أي :
قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ
بالآيات الباهرة البينة ، وفي جملتها ما قلتم من أمر القربان فلم قتلتموهم يا بني إسرائيل المعنى بل هذا منكم تعلل وتعنت ، ولو أتيتكم بالقربان لتعللتم بغير ذلك ، والاقتراح لا غاية له ، ولا يجاب كل مقترح ، ولم يجب اللّه مقترحا إلا وقد أراد تعذيبه وأن لا يمهله ، كقوم صالح وغيرهم ، وكذلك قيل لمحمد في اقتراح قريش فأبى ، وقال : بل أدعوهم وأعالجهم .
قوله تعالى :
[ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 184 ]
فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جاؤُ بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ ( 184 )
ثم آنس تعالى نبيه بالأسوة والقدوة فيمن تقدم من الأنبياء أي : فلا يعظم عليك ذلك ، وقرأ ابن عامر : و « بالزبر » بإعادة باء الجر ، وسقوطها على قراءة الجمهور متجه ، لأن الواو شركت الزبر في الباء الأولى فاستغني عن إعادة الباء ، وإعادتها أيضا متجهة لأجل التأكيد ، وكذلك ثبتت في مصاحف أهل الشام ، وروي أيضا عن ابن عامر إعادة الباء في قوله : « وبالكتاب المنير » و
الزُّبُرِ
: الكتاب المكتوب يقال : زبرت الكتاب إذا كتبته ، وزبرته إذا قرأته ، والشاهد لأنه الكتاب قول امرئ القيس : [ الطويل ]