تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 529

مساهمون:

ص٥٢٩
الجملة دون تعيين ، وهذه كانت سنته في المنافقين ، لا إله إلا هو ، وقوله تعالى :
يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا
هي مقالة سمعت من معتب بن قشير المغموص عليه بالنفاق ، وقال الزبير بن العوام فيما أسند الطبري عنه : واللّه لكأني أسمع قول معتب بن قشير أخي بني عمرو بن عوف ، والنعاس يغشاني ، ما أسمعه إلا كالحلم حين قال
لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا
. قال القاضي أبو محمد : وكلام معتب يحتمل من المعنى ما احتمل كلام عبد اللّه بن أبي ، ومعتب هذا ممن شهد بدرا ، ذكر ذلك ابن إسحاق وغيره ، وقال ابن عبد البر : إنه شهد العقبة ، وذلك وهم ، والصحيح أنه لم يشهد عقبة ، وقوله تعالى :
قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ
الآية رد على الأقوال ، وإعلام بأن أجل كل امرئ إنما هو واحد ، فمن لم يقتل فهو يموت لذلك الأجل على الوجه الذي قدر اللّه تعالى ، وإذا قتل فذلك هو الذي كان في سابق الأزل ، وقرأ جمهور الناس « في بيوتكم » بضم الباء ، وقرأ بعض القراء وهي بعض طرق السبعة « في بيوتكم » ، بكسر الباء ، وقرأ جمهور الناس « لبرز » بفتح الراء والباء على معنى : صاروا في البراز من الأرض ، وقرأ أبو حيوة « لبرّز » بضم الباء وكسر الراء وشدها ، وقرأ جمهور الناس : « عليهم القتل » أي كتب عليهم في قضاء اللّه وتقديره ، وقرأ الحسن والزهري : « عليهم القتال » وتحتمل هذه القراءة معنى الاستغناء عن المنافقين ، أي لو تخلفتم أنتم لبرز المؤمنون الموقنون المطيعون في القتال المكتوب عليهم ، وقوله تعالى :
وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ
الآية ، اللام في قوله تعالى :
وَلِيَبْتَلِيَ
متعلقة بفعل متأخر تقديره وليبتلي وليمحص فعل هذه الأمور الواقعة والابتلاء هنا هو الاختبار ، والتمحيص : تخليص الشيء من غيره ، والمعنى ليختبره فيعلمه علما مساوقا لوجوده وقد كان متقررا قبل وجود الابتلاء أزلا ، و « ذات الصدور » ما تنطوي عليه من المعتقدات ، هذا هو المراد في هذه الآية . قوله تعالى :

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 155 ]

إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ( 155 ) اختلف المتأولون في من المراد بقوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ
فقال الفاروق عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه : المراد بها جميع من تولى ذلك اليوم عن العدو . قال القاضي أبو محمد : يريد على جميع أنحاء التولي الذي لم يكن تحرفا لقتال ، وأسند الطبري رحمه اللّه قال : خطب عمر رضي اللّه عنه يوم الجمعة فقرأ آل عمران ، وكان يعجبه إذا خطب أن يقرأها ، فلما انتهى إلى قوله
إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ
، قال : لما كان يوم - أحد - هزمنا ففررت حتى صعدت الجبل ، فلقد رأيتني أنزو كأني أروى ، والناس يقولون قتل محمد ، فقلت : لا أجد أحدا يقول : قتل محمد إلا قتلته ، حتى اجتمعنا على الجبل فنزلت هذه الآية كلها ، قال قتادة : هذه الآية في كل من فر بتخويف الشيطان وخدعه ، وعفا اللّه عنهم هذه الزلة ، قال ابن فورك : لم يبق مع النبي يومئذ إلا ثلاثة