تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 506

مساهمون:

ص٥٠٦
مالك ، وفي بعض الطرق ، وكيف يفلح ؟ وفي بعضها أن سالما مولى أبي حذيفة كان يغسل الدم عن وجه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال فأفاق وهو يقول : كيف بقوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى اللّه ؟ فنزلت الآية ، بسبب هذه المقالة . قال القاضي : وكأن النبي صلى اللّه عليه وسلم لحقه في تلك الحال يأس من فلاح كفار قريش ، فمالت نفسه إلى أن يستأصلهم اللّه ويريح منهم ، فروي أنه دعا عليهم أو أستأذن في أن يدعو عليهم ، وروى ابن عمر وغيره : أنه دعا على أبي سفيان والحارث بن هشام وصفوان بن أمية باللعنة ، إلى غير هذا من معناه ، فقيل له بسبب ذلك ،
لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ
أي عواقب الأمور بيد اللّه ، فامض أنت لشأنك ودم على الدعاء إلى ربك ، قال الطبري وغيره من المفسرين : قوله :
أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ
عطف على
يَكْبِتَهُمْ
. قال القاضي : فقوله :
لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ
اعتراض أثناء الكلام ، وقوله :
أَوْ يَتُوبَ
معناه : فيسلمون ، وقوله :
أَوْ يُعَذِّبَهُمْ
معناه : في الآخرة بأن يوافوا على الكفر ، قال الطبري وغيره : ويحتمل أن يكون قوله
أَوْ يَتُوبَ
بمعنى حتى يتوب أو إلى أن يتوب فيجيء بمنزلة قولك : لا أفارقك أو تقضيني حقي ، وكما تقول : لا يتم هذا الأمر أو يجيء فلان ، وقوله تعالى :
لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ
ليس باعتراض على هذا التأويل ، وإنما المعنى الإخبار لمحمد عليه السلام أنه ليس يتحصل له من أمر هؤلاء الكفار شيء يؤمله إلا أن يتوب اللّه عليهم فيسلموا ، فيرى محمد عليه السلام أحد أمليه فيهم ، أو يعذبهم اللّه بقتل في الدنيا ، أو بنار في الآخرة أو بهما ، فيرى محمد صلى اللّه عليه وسلم الأمل الآخر ، وعلى هذا التأويل فليس في قوله :
لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ
ردع كما هو في التأويل الأول ، وذلك التأويل الأول أقوى ، وقرأ أبي بن كعب ، « أو يتوب أو يعذب » برفع الباء فيهما ، المعنى : أو هو يتوب ، ثم قرر تعالى ظلم هؤلاء الكفار . ثم أكد معنى قوله
لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ
بالقول العام وذكر الحجة الساطعة في ذلك وهي ملكه الأشياء ، إذ ذلك مقتض أن يفعل بحق ملكه ما شاء ، لا اعتراض عليه ولا معقب لحكمه ، وذكر أن الغفران أو التعذيب إنما هو بمشيئته وحسب السابق في علمه ، ثم رجا في آخر ذلك تأنيسا للنفوس وجلبا لها إلى طاعته ، وذلك كله في قوله تعالى :
وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ، يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ ، وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
و
ما
في قوله
ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
، إشارة إلى جملة العالم فلذلك حسنت
ما
، وما ذكر في هذه الآية من أن هذه الآية ناسخة لدعاء النبي صلى اللّه عليه وسلم على المشركين كلام ضعيف كله ، وليس هذا من مواضع الناسخ والمنسوخ . قوله تعالى :

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 130 إلى 132 ]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 130 ) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ ( 131 ) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ( 132 ) هذا النهي عن أكل الربا اعتراض أثناء قصة « أحد » ، ولا أحفظ سببا في ذلك مرويا ، والربا الزيادة ،
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 506 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى