أوتيتم إلا لمن تبع دينكم وجاء بمثله وعاضدا له ، فإن ذلك لا يؤتاه غيركم ،
أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ
، بمعنى : إلا أن يحاجوكم ، كما تقول : أنا لا أتركك أو تقتضيني حقي ، وهذا القول على هذا المعنى ثمرة التكذيب بمحمد صلى اللّه عليه وسلم على اعتقاد منهم أن النبوة لا تكون إلا في بني إسرائيل ، ويحتمل الكلام أن يكون معناه : ولا تؤمنوا بمحمد وتقروا بنبوته ، إذ قد علمتم صحتها ، إلا لليهود الذين هم منكم ، و
أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ
، صفة لحال محمد فالمعنى ، تستروا بإقراركم ، ان قد أوتي أحد مثل ما أوتيتم ، أو فإنهم يعنون العرب يحاجوكم بالإقرار عند ربكم ، قال أبو علي و
تُؤْمِنُوا
تعدى بالباء المقدرة في قوله
أَنْ يُؤْتى
كما تعدى أول الآية في قوله ،
بِالَّذِي أُنْزِلَ
، واللام في قوله ،
لِمَنْ تَبِعَ
، لا يسهل أن تعلق ب
تُؤْمِنُوا
، وأنت قد أوصلته بالباء فتعلق بالفعل جارين ، كما لا يستقيم أن تعديه إلى مفعولين إذا كان لا يتعدى إلا إلى واحد ، وإنما يحمل أمر هذه اللام على المعنى ، والمعنى : لا تقروا بأن اللّه يؤتي أحدا مثل ما أوتيتم إلا لمن ، فهذا كما تقول : أقررت لزيد بألف فتكون اللام متعلقة بالمعنى ولا تكون زائدة على حد
إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ
[ يوسف : 43 ] ولا تتعلق على حد المفعول ، قال أبو علي : وقد تعدى « آمن » باللام في قوله
فَما آمَنَ لِمُوسى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ
[ يونس : 83 ] وقوله
آمَنْتُمْ لَهُ *
[ طه : 71 ] [ الشعراء : 49 ] وقوله
يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ
[ التوبة : 61 ] واحد ، إنما دخل في هذا الكلام بسبب النفي الواقع في أوله ، قوله :
لا تُؤْمِنُوا
كما دخلت - من - في قوله
ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ
[ البقرة : 105 ] فكما دخلت - من - في صلة أن ينزل ، لأنه مفعول النفي اللاحق لأول الكلام ، فكذلك دخل
أَحَدٌ
في صلة - أن - في قوله
أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ
لدخول النفي في أول الكلام .
قال القاضي : وهذا لأن أحدا الذي فيه الشياع ، لا يجيء في واجب من الكلام ، لأنه لا يفيد معنى ، وقرأ ابن كثير وحده بين السبعة « آن يؤتى » بالمد على جهة الاستفهام الذي هو تقرير ، وفسر أبو علي قراءة ابن كثير على أن الكلام كله من قول الطائفة ، إلا الاعتراض الذي هو :
قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ
فإنه لا يختلف أنه من قول اللّه تعالى لمحمد صلى اللّه عليه وسلم قال : فلا يجوز مع الاستفهام أن يحمل
أَنْ يُؤْتى
على ما قبله من الفعل ، لأن الاستفهام قاطع ، فيجوز أن تكون - أن - في موضع رفع بالابتداء وخبره محذوف تقديره تصدقون به أو تعترفون ، أو تذكرونه لغيركم ، ونحو هذا مما يدل عليه الكلام ويكون
يُحاجُّوكُمْ
على هذا معطوفا على
أَنْ يُؤْتى
قال أبو علي : ويجوز أن يكون موضع - أن - منصوبا ، فيكون المعنى : أتشيعون أو أتذكرون
أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ
؟ ويكون ذلك بمعنى قوله تعالى عنهم
أَ تُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ
[ البقرة : 76 ] فعلى كلا الوجهين معنى الآية ، توبيخ من الأحبار للأتباع على تصديقهم بأن محمدا نبي مبعوث ، ويكون قوله تعالى :
أَوْ يُحاجُّوكُمْ
في تأويل نصب أن أي أو تريدون أن يحاجوكم . قال أبو علي : و
أَحَدٌ
على قراءة ابن كثير هو الذي يدل على الكثرة ، وقد منع الاستفهام القاطع من أن يشفع لدخوله النفي الذي في أول الكلام ، فلم يبق إلا أن يقدر أن أحدا الذي في قولك ، أحد وعشرون وهو يقع في الإيجاب لأنه بمعنى واحد ، وجمع ضميره في قوله
أَوْ يُحاجُّوكُمْ
حملا على المعنى ، إذ لأحد المراد بمثل النبوة اتباع ، فهو في معنى الكثرة ، قال أبو علي : وهذا موضع