ويستقيم الكلام ، وقيل : المعنى أنه في عمل الآخرة
لَمِنَ الصَّالِحِينَ
، فالكلام على حذف مضاف .
وقوله تعالى :
إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ
، العامل في
إِذْ
اصْطَفَيْناهُ
، وكان هذا القول من اللّه حين ابتلاه بالكوكب والقمر والشمس . والإسلام هنا على أتم وجوهه ، وقرأ نافع وابن عامر « وأوصى » ، وقرأ الباقون
وَوَصَّى
، والمعنى واحد ، إلا أن وصى يقتضي التكثير ، والضمير في
بِها
عائد على كلمته التي هي
أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ
، وقيل : على الملة المتقدمة ، والأول أصوب لأنه أقرب مذكور ، وقرأ عمرو بن فائد الأسواري « ويعقوب » بالنصب على أن يعقوب داخل فيمن أوصى ، واختلف في إعراب رفعه ، فقال قوم من النحاة : التقدير ويعقوب أوصى بنيه أيضا ، فهو عطف على
إِبْراهِيمُ
، وقال بعضهم : هو مقطوع منفرد بقوله
يا بَنِيَّ
، فتقدير الكلام ويعقوب قال يا بني ، و
اصْطَفى
هنا معناه تخير صفوة الأديان ، والألف واللام في
الدِّينَ
للعهد ، لأنهم قد كانوا عرفوه ، وكسرت
إِنَّ
بعد
وَصَّى
لأنها بمعنى القول ، ولذلك سقطت « إن » التي تقتضيها « وصى » في قوله « أن يا بني » ، وقرأ ابن مسعود والضحاك « أن يا بني » بثبوت أن .
وقوله تعالى :
فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ
إيجاز بليغ ، وذلك أن المقصود منه أمرهم بالإسلام والدوام عليه ، فأتى ذلك بلفظ موجز يقتضي المقصود ويتضمن وعظا وتذكيرا بالموت ، وذلك أن المرء يتحقق أنه يموت ولا يدري متى ؟ فإذا أمر بأمر لا يأتيه الموت إلا وهو عليه ، فقد توجه من وقت الأمر دائبا لازما ، وحكى سيبويه فيما يشبه هذا المعنى قولهم : لا أرينك هاهنا ، وليس إلى المأمور أن يحجب إدراك الأمر عنه ، فإنما المقصود : اذهب وزل عن هاهنا ، فجاء بالمقصود بلفظ يزيد معنى الغضب والكراهية ، و
أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ
ابتداء وخبر في موضع الحال .
قوله عزّ وجل :
[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 133 إلى 135 ]
أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِلهاً واحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ( 133 ) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ ( 134 ) وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 135 )
هذا الخطاب لليهود والنصارى الذين انتحلوا الأنبياء صلوات اللّه عليهم ونسبوهم إلى اليهودية والنصرانية ، فرد اللّه تعالى عليهم وكذبهم ، وأعلمهم أنهم كانوا على الحنيفية والإسلام ، وقال لهم على جهة التقريع والتوبيخ : أشهدتم يعقوب وعلمتم بما أوصى فتدعون عن علم ؟ ، أي لم تشهدوا بل أنتم تفترون ، و
أَمْ
تكون بمعنى ألف الاستفهام في صدر الكلام لغة يمانية ، وحكى الطبري أن
أَمْ
يستفهم بها في وسط كلام قد تقدم صدره ، وهذا منه ، ومنه
أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ *
[ يونس : 38 ، هود : 13 ، 35 ، السجدة : 3 ، الأحقاف : 8 ] ، وقال قوم :
أَمْ
بمعنى بل ، والتقدير بل شهد أسلافكم يعقوب وعلمتم منهم ما أوصى به ، ولكنكم كفرتم جحدا ونسبتموهم إلى غير الحنيفية عنادا ، والأظهر أنها التي