الله صلّى اللّه عليه وسلّم وهم يقولون : بطل عمل عامر ، فأتيت نبي الله وأنا شاحب أبكي ، فقلت : يا رسول الله أبطل عمل عامر ؟ فقال : « ومن قال ذاك ؟ » قلت : بعض أصحابك . قال : « كذب من قال ، بل له أجره مرّتين ، إنّه لجاهد مجاهد » [ 33 ] .
قال : فحاصرناهم حتّى أصابتنا مخمصة شديدة ثمّ إنّ الله تعالى فتحها علينا ، وذلك أنّ رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم أعطى اللواء عمر بن الخطّاب ، ونهض من نهض معه من الناس ، فلقوا أهل خيبر ، فانكشف عمر ، وأصحابه ، فرجعوا إلى رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم يحينه أصحابه ، ويحينهم ، وكان رسول الله قد أخذته الشقيقة ، فلم يخرج إلى النّاس ، فأخذ أبو بكر راية رسول الله ، ثمّ نهض فقاتل قتالا شديدا ، ثمّ رجع ، فأخذها عمر ، فقاتل قتالا شديدا ، وهو أشدّ من القتال الأوّل ، ثمّ رجع ، فأخبر بذلك رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : « أما والله لأعطينّ الراية غدا رجلا يحبّ الله ، ورسوله ، ويحبّه الله ، ورسوله يأخذها عنوة » [ 34 ] « 1 » .
وليس ثمّ علي ، فلمّا كان الغد تطاول لها أبو بكر وعمر وقريش رجاء كلّ واحد منهم أن يكون صاحب ذلك ، فأرسل رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم سلمة بن الأكوع إلى علي ، فدعاه ، فجاء علي على بعير له حتّى أناخ قريبا من خباء رسول الله ، وهو أرمد قد عصب عينيه بشقة برد قطري ، قال سلمة : فجئت به أقوده إلى النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم .
فقال رسول الله : « ما لك ؟ » . قال : رمدت . فقال : « ادن منّي » [ 35 ] . فدنا منه فتفل في عينيه ، فما وجعهما بعد حتّى مضى لسبيله ، ثمّ أعطاه الراية ، فنهض بالراية وعليه حلّة أرجوان حمراء ، قد أخرج حملها ، فأتى مدينة خيبر ، وخرج مرحب صاحب الحصن وعليه مغفر معصفر ، وحجر قد ثقبه مثل البيضة على رأسه ، وهو يقول :
قد علمت خيبر أنّي مرحب * شاكي السلاح بطل مجرّب « 2 »
أطعن أحيانا وحينا أضرب * إذا الحروب أقبلت تلهّب
كان حمائي كالحمى لا يقرب
فبرز إليه علي رضي اللّه عنه ، وقال :
أنا الّذي سمّتني أمّي حيدره * كليث غابات شديد قسوره « 3 »
أكيلكم بالسيف كيل السندره
فاختلفا ضربتين ، فبدره علي ، فضربه ، فقدّ الحجر والمغفرة ، وفلق رأسه حتّى أخذ السيف
هامش
( 1 ) مسند أحمد : 5 / 333 ؛ صحيح البخاري : 5 / 76 ؛ وصحيح مسلم : 7 / 121 باختلاف يسير .
( 2 ) البداية والنهاية : 4 / 213 ؛ مسند أحمد : 5 / 358 .
( 3 ) البداية والنهاية : 4 / 213 .