وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ
ثم دلّه على التوحيد فقال عز من قائل :
بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ
لله تعالى على نعمة الايمان
وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ
حين أشركوا به غيره ، ثم خبر عن عظمته فقال
وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ
أيّ ملكه
يَوْمَ الْقِيامَةِ
بلا مانع ولا منازع ولا مدّع ، وهي اليوم أيضا ملكه ، ونظيره قوله تعالى :
مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ
« 1 » و
لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ
« 2 » .
قال الأخفش : هذا كما يقال خراسان في قبض فلان ، ليس أنها في كفّه وإنما معناه ملكه .
وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ
للطي معان منها : الإدراج كطي القرطاس والثوب بيانه
يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ
، ومنه الإخفاء كما تقول : طويت فلانا عن الأعين ، وأطو هذا الحديث عني أي استره .
ومنه : الإعراض يقال : طويت عن فلان أو أعرضت عنه .
ومنه : الافناء ، تقول العرب : طويت فلانا بسيفي ، أي أفنيته .
وقراءة العامة :
مَطْوِيَّاتٌ
بالرفع . وقرأ عيسى بن عمر : بالكسر ومحلها النصب على الحال والقطع ، وإنما يذكر اليمين للمبالغة في الاقتدار .
وقيل : هو معنى القوة ، كقول الشاعر :
تلقاها عرابة باليمين « 3 »
وقيل : اليمين بمعنى القسم ، لأنه حلف أنه يطويها ويفنيها . وهو اختيار علي بن مهدي الطبري قال : معناه مضنيات بقسمه .
حكى لي أستاذنا أبو القاسم بن حبيب عنه ثم نزه نفسه ، وقال تعالى :
سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ
ثم أتى ذاكر بعض ما ورد من الآثار في تفسير هذه الآية .
أخبرنا عبد اللّه بن حامد بقرائتي عليه حدثنا محمّد بن جعفر المطري حدثنا علي بن حرب الموصلي حدثنا ابن فضيل حدثنا الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد اللّه قال : جاء رجل إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم فقال : يا أبا القاسم
إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ
على إصبع ، والأرضين على إصبع ، والجبال على إصبع ، والشجر على إصبع ، والخلائق على إصبع ، ثم يقول هكذا بيده .
فضحك النبي صلّى اللّه عليه وسلم حتى بدت نواجذه ، ثم قال :
« وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ »
« 4 » .
هامش
( 1 ) سورة الفاتحة : 4 .
( 2 ) سورة غافر : 16 .
( 3 ) الصحاح : 1 / 180 ، لسان العرب : 1 / 593 ، وهي للشماخ .
( 4 ) مسند أحمد : 1 / 429 ، وسنن الترمذي : 5 / 49 ح 3291 ، بتفاوت يسير .