تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي ) — صفحة 220

مساهمون:

ص٢٢٠
إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ
نزلت في المشركين حيث سألوا رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم عن وقت قيام الساعة . قال الفرّاء : وإنّما رفع ما بعد
( إِلَّا )
لأنّ قبلها جحدا كما يقال : ما ذهب أحد إلّا أبوك
وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ
متى
يُبْعَثُونَ
قالت عائشة : من زعم أنّه يعلم ما في غد فقد أعظم على الله الفرية ، والله عزّ وجل يقول :
قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ
. أخبرنا أبو زكريا الحري قال : أخبرنا أبو حامد الأعمشي قال : حدّثنا علي بن حشرم قال : حدّثنا الفضل بن موسى ، عن رجل قد سمّاه قال : كان عند الحجّاج بن يوسف منجّم ، فأخذ الحجّاج حصيّات بيده قد عرف عددها فقال للمنجّم : كم في يدي ؟ فحسب ، فأصاب المنجّم ، ثمّ اعتقله الحجّاج فأخذ حصيات لم يعددهنّ ، فقال للمنجّم : كم في يدي ؟ فحسب ، فحسب ، فأخطأ ثمّ حسب أيضا ، فأخطأ ، فقال : أيّها الأمير أظنّك لا تعرف عددها في يدك . قال : فما الفرق بينهما ؟ ! قال : إنّ ذاك أحصيته فخرج من حدّ الغيب ، فحسبت فأصبت ، وإنّ هذا لم تعرف عددها ، فصار غيبا ، ولا يعلم
الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ
عزّ وجل .
بَلِ ادَّارَكَ
اختلف القرّاء فيه ، فقرأ ابن عباس بلى بإثبات الياء ادَّارَكَ بفتح الألف وتشديد الدال على الاستفهام . روى شعبة عن أبي حمزة قال : قال لي ابن عبّاس : في هذه الآية
بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ
أي لم يدرك ، قال الفرّاء : وهو وجه جيّد كأنّه يوجّهه إلى الاستهزاء بالمكذّبين بالبعث ، لقولك للرجل تكذّبه : بلى لعمري لقد أدركت السلف فأنت تروي ما لا تروي ، وأنت تكذّبه . وقرأ الحسن ويحيى بن وثاب والأعمش وشيبة ونافع وعاصم وحمزة والكسائي
بَلِ ادَّارَكَ
بكسر اللام وتشديد الدال أي تدارك وتتابع
عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ
هل هي كائنة أم لا ؟ وتصديق هذه القراءة أنّها في حرف أبي أم تدارك
عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ
والعرب تضع بل موضع أم ، وأم موضع بل إذا كان في أوّل الكلام استفهام كقول الشاعر :
فوالله ما أدري أسلمى تغوّلت * أم البوم أم كلّ إلي حبيب « 1 »
أي بل كلّ إليّ حبيب ، ومعنى الكلام هل تتابع علمهم بذلك في الآخرة ، أي لم يتتابع فصل وغاب علمهم به فلم يبلغوه ولم يدركوه ؛ لأنّ في الاستفهام ضربا من الحجد ، وقرأ أبو جعفر ومجاهد وحميد وابن كثير وأبو عمرو
بَلِ ادَّارَكَ
من الادّراك أي لم يدرك علمهم علم في الآخرة ، وقال مجاهد : معناه يدرك علمهم في الآخرة ويعلمونها إذا عاينوها حين لا ينفعهم علمهم لأنّهم كانوا في [ الأنبياء ] مكذّبين ، وقيل بل ضلّ وغاب علمهم في الآخرة فليس فيها لهم علم ، ويقال : اجتمع علمهم في الآخرة أنّها كائنة وهم في شكّ من وقتهم .
هامش
( 1 ) لسان العرب : 10 / 421 .