واحتجّوا بأن الشعر النازل من الرأس لا يحكم بحكم الرأس . وكذلك من الوجه .
والثاني : أنه يجب غسله ، ودليل هذا القول من ظاهر هذه الآية ، لأن الوجه ما يواجه به ، فكلّ ما تقع به المواجهة من هذا العضو يلزمه غسله بحكم الظاهر .
ومن الحديث قول النبي صلى اللّه عليه وسلّم حيث نهى عن تغطية اللحية في الصلاة إنها من الوجه ، ومن اللغة قول العرب بدل وجه فلان وخرج وجهه إذا نبتت لحيته .
وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ
غسل اليدين من المرفقين واجب بالإجماع واختلفوا في المرفقين .
فقال الشعبي ومالك والفراء ومحمد بن الحسن ومحمد بن جرير : لا يجب غسل المرفقين في الوضوء ، و
إِلى
- هاهنا - بمعنى الحدّ والغاية ، ثم استدلوا بقوله تعالى
ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ
« 1 » والليل غير داخل في الصوم ، وقال سائر الفقهاء : يجب غسلهما و
( إِلى )
بمعنى مع واحتجوا بقوله تعالى
وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ
« 2 » وقوله
فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ
« 3 » وقوله
مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ *
« 4 » .
وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ
اختلف الفقهاء في القدر الواجب من مسح الرأس .
فقال مالك والمزني : مسح جميع الرأس في الوضوء واجب .
وجعلوا الباء بمعنى التعميم ، كقوله عز وجل
فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ
« 5 » وقوله
وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ
« 6 » .
وقال أبو حنيفة : مسح ربع الرأس واجب . أبو يوسف : نصف الرأس ، الشافعي : يجوز الاقتصار على أقل من ربع الرأس ، فإذا مسح مقدار ما يسمى مسحا أجزأه ، واحتج بقوله
وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ
، وله في هذه الآية دليلان ، أحدهما : مسح بعض رأسه وإن قلّ فقد حصل من طرفي [ اللسان ] ماسحا رأسه . فصار مؤديا فرض الأمر .
والثاني : إنه قال في العضوين اللذين أمر بتعميمها بالطهارة
فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ
فأطلق الأمر في غسلهما وقال في الرأس
وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ
فأدخل الباء للتبعيض لأنّ الفعل
هامش
( 1 ) سورة البقرة : 187 .
( 2 ) سورة النساء : 2 .
( 3 ) سورة التوبة : 125 .
( 4 ) سورة آل عمران : 52 .
( 5 ) سورة المائدة : 6 .
( 6 ) سورة الحج : 29 .