وقال بعضهم :
( إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ )
من خلد فيها ومن لم يخلد فقد أخزيته بالعذاب والهلاك والهوان . قال عمرو بن دينار : قدم علينا جابر بن عبد الله في عمرة ، فانتهيت إليه أنا وعطاء فقلت له :
( رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ )
، قال : وما إخزاؤه حين أحرقه بالنار إن دون ذلك لخزيا .
وقال أهل المعاني : الخزي يحتمل الحياء ، يقال : خزي يخزي ، خزاية إذا استحيا .
قال ذو الرمّة :
خزاية أدركته عند جوليه * من جانب الحبل مخلوطا بها الغضب « 1 »
وقال القطامي في الثور والكلاب :
حرجا وكر كرور صاحب نجدة * خزي الحرائر أن يكون جبانا « 2 »
أي يستحي ، فخزي المؤمنين الحياء ، وخزي الكافرين الذل والخلود في النار .
وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ . رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا
يعني محمدا صلى اللّه عليه وسلّم
يُنادِي لِلْإِيمانِ
أي إلى الإيمان ، كقوله :
لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ
« 3 » .
وقيل : اللام بمعنى أجل .
قال قتادة : أخبركم اللّه عزّ وجلّ عن مؤمني الإنس كيف قالوا وعن مؤمني الجن كيف قالوا ، فأما مؤمنوا الجن فقالوا :
إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ
« 4 » وأما مؤمنوا الإنس فقالوا
رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ
. . .
فَآمَنَّا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ
أي في جملة الأبرار
رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ
على ألسنة رسلك كقوله :
وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ
« 5 » .
وقرأ الأعمش : ( رسلك ) بالتخفيف .
وَلا تُخْزِنا
لا تعذبنا ولا تهلكنا ولا تفضحنا ولا تهنّا
يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ
يعني قيل : ما وجه قولهم :
( رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ )
وقد علموا وزعموا أن اللّه لا يخلف الميعاد ، والجواب عنه : إن لفظه الدعاء ، ومعناه الخبر تقديره : ( واغفر
لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ
) و
لا تُخْزِنا
، وتؤتينا ما وعدتنا على ألسن رسلك من الفضل
هامش
( 1 ) لسان العرب : 14 / 227 .
( 2 ) غريب الحديث : 4 / 36 ، ولسان العرب : 14 / 227 .
( 3 ) سورة الأنعام : 28 .
( 4 ) سورة الجن : 1 - 2 .
( 5 ) سورة يوسف : 81 .