وقتلهم برفع اللام ويقول بالياء ، اعتبارا بقراءة عبد اللّه ويقال
ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ
أي النار ، والنار اسم جامع للملتهبة منها وغير الملتهبة ، والحريق اسم للملتهبة منها ، وهو بمعنى المحرق كما يقال : عذاب أليم وضرب وجيع .
ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
فيعذب بغير ذنبه
الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا
الآية .
قال الكلبي : نزلت في كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف ووهب بن يهودا وزيد بن تابوه وفنحاص بن عازوراء وحيي بن أخطب ، أتوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقالوا : يا رسول اللّه تزعم أن اللّه بعثك إلينا رسولا وأنزل علينا كتابا ، فإن اللّه قد عهد إلينا في التوراة أن لا نؤمن لرسول يزعم أنه جاء من عند اللّه
حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ
، فإن جئتنا به صدقناك « 1 » ، فأنزل اللّه عزّ وجلّ
الَّذِينَ قالُوا
يعني وسمع اللّه قول الذين قالوا
، ومحل
( الَّذِينَ )
خفض ردّا على الذين الأول
إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا
أي أمرنا وأوصانا في كتبه على ألسنة رسله .
أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ
أي لا نصدق رسولا يزعم أنه جاء من عند اللّه
حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ
فيكون ذلك دلالة على صدقه ، والقربان كل ما يتقرب به العبد إلى اللّه عزّ وجلّ من زكاة وصدقة وعمل صالح ، وهو فعلان من القربة مثل الرفعان من الرّفع [ والغنيان ] من الغنى ، ويكون اسما ومصدرا فمثال الاسم : السلطان والبرهان ، ومثال المصدر : العدوان والخسران .
وكان عيسى بن عمر يقرأ : قُرُبان فبضم الراء والقاف كما يقال في جمع ظلمة : ظلمات ، وفي جمع حجرة : حجرات .
قال المفسرون : كانت القرابين والغنائم تحل لبني إسرائيل ، فكانوا إذا قرّبوا قربانا وغنموا غنيمة فإن تقبل منهم ذلك جاءت نار بيضاء من السماء لا دخان لها ولها دوي وحفيف ، فتأكل ذلك القربان وتلك الغنيمة وتحرقهما ، فيكون ذلك علامة القبول ، وإذا لم يقبل بقي على حاله .
وقال عطاء : كانت بنو إسرائيل يذبحون لله فيأخذون الثروب وأطائب اللحم فيضعونها في وسط البيت والسقف مكشوف ، فيقوم النبي في البيت ويناجي ربّه ، وبنو إسرائيل خارجون حول البيت ، فتنزل نار فتأخذ ذلك القربان فيخر النبي ساجدا فيوحي اللّه عزّ وجلّ إليه بما شاء .
قال السدي : إن اللّه تعالى أمر بني إسرائيل في التوراة : من جاءكم من أحد يزعم أنه رسول فلا تصدقوه حتى يأتيكم
بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ
حتى يأتيكم المسيح ومحمد ، فإذا أتياكم فآمنوا بهما فإنهما يأتيان بغير قربان ، قال اللّه تعالى إقامة للحجة عليهم
قُلْ
يا محمد
قَدْ جاءَكُمْ
يا معشر اليهود
رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ
من القربان
فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ
يعني زكريا
هامش
( 1 ) أسباب النزول للواحدي : 89 وتفسير القرطبي : 4 / 295 .