تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي ) — صفحة 210

مساهمون:

ص٢١٠
قال : فجاء سهيل فقال له نعيم : يا أبا يزيد أتضمن لي هذه الفرائض فانطلق إلى محمد واثبطه . قال : نعم ، فخرج نعيم حتى قدم المدينة فوجد الناس يتجهزون بميعاد أبو سفيان ، فقال : أين تريدون ؟ فقالوا : واعدنا أبو سفيان بموسم بدر الصغرى أن نقتتل بها . قال : بئس الرأي رأيتم ، أتوكم في دياركم وقراكم فلم يفلت منكم إلّا شريد ، فتريدون أن تخرجوا وقد جمعوا لكم عند الموسم ، واللّه لا يفلت منكم أحد . فكره أصحاب رسول اللّه الخروج ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « والذي نفسي بيده لأخرجنّ ولو وحدي » [ 192 ] فأما الجبان فرجع وأما الشجاع فإنه تأهب للقتال وقالوا :
حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ
، فخرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في أصحابه حتى وافوا بدر الصغرى ، فجعلوا يلقون المشركين ويسألونهم عن قريش فيقولون :
قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ
. يريدون أن يرعبوا المسلمين ، فيقول المؤمنون :
حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ
، حتى لقوا بدر . وهو ماء لبني كنانة وكانت موضع سوق لهم في الجاهلية يجتمعون إليها في كل عام ثمانية أيام . فأقام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ببدر ينتظر أبا سفيان ، وقد انصرف أبو سفيان من مجنة إلى مكة ، فسماهم أهل مكة جيش السويق وقالوا : إنما خرجتم تشربون السويق ، فلم يلق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه أحدا من المشركين ببدر ، ووافوا السوق وكانت معهم نفقات وتجارات فباعوها وأصابوا الدرهم والدرهمين ، وانصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين « 1 » . فذلك قوله تعالى :
الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ
. ومحل
( الَّذِينَ )
خفض على صفة المؤمنين تقديره
وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ
المستجيبين لله والرسول ومعنى الاستجابة : الإجابة والطاعة ، نظيره قوله تعالى :
فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي
« 2 » فليطيعوا لي
مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ
أي نالهم الجراح والكلوم ، وتم الكلام هاهنا ثم ابتدأ فقال :
لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ
بطاعة رسول اللّه وإجابته إلى الغزو
وَاتَّقَوْا
معصيته وطاعته
أَجْرٌ عَظِيمٌ
ثواب كثير
الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ
ومحل
( الَّذِينَ )
خفض أيضا مردود على الذين الأول ، وأراد ( بالناس ) نعيم ابن مسعود في قول مجاهد ومقاتل وعكرمة والواقدي ، وهو على هذا التأويل من العام الذي أريد به الخاص ، نظيره قوله :
أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ
« 3 » يعني محمدا وحده ، وقوله :
لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ
« 4 » يريد الرجال وحده . وقال ابن إسحاق وجماعة : يريد ب ( الناس ) الركب من عبد القيس وقد مضت قصتهم . وقال السدي : لما تجهز رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه للمسير إلى ميعاد أبي سفيان ، أتاهم
هامش
( 1 ) راجع : تفسير الطبري : 4 / 235 - 236 ، وتاريخ الطبري : 2 / 212 . ( 2 ) سورة البقرة : 186 . ( 3 ) سورة النساء : 54 . ( 4 ) سورة غافر : 57 .