تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي ) — صفحة 300

مساهمون:

ص٣٠٠
واشتد ذلك عليهم فمكثوا بذلك حولا ، فأنزل الله عزّ وجلّ الفرج والراحة بقوله تعالى :
لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها
. فنسخت الآية ما قبلها . فقال النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنّ الله عزّ وجلّ قد تجاوز لأمّتي ما حدّثوا به أنفسهم ما لم يعملوا أو يتكلّموا به » « 1 » . وهذا قول ابن مسعود وأبي هريرة وعائشة وابن عباس برواية سعيد بن جبير وعطاء ، ومن التابعين وأتباعهم محمد بن سيرين ومحمد بن كعب وموسى بن عبيدة وقتادة والكلبي وشيبة . قال سعيد بن مرجانة : بينما نحن جلوس عند عبد الله بن عمر إذ تلا هذه الآية
وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ
. فقال ابن عمر : إن أخذنا الله بها لنهلكن ، ثم بكا حتّى سمع . قال ابن مرجانة : فذكرت ذلك لابن عباس فقال : يغفر الله لأبي عبد الرحمن فقد وجد المسلمون منها حين نزلت مثل ما وجد فأنزل الله
لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها
. وكانت الوسوسة ممّا لا طاقة للمسلمين بها ، فصار الأمر إلى القول والفعل به فنسخت تلك الآية . وقال بعضهم : هذه الآية محكمة غير منسوخة ، لأن النسخ والأخبار غير جائز إلّا في خبر فيه أمر أو نهي أو شرط . ثم اختلفوا في وجه تأويلها فقال قوم من أهل المعاني : قد أثبت الله عزّ وجلّ للقلب كسبا فقال :
بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ
. وكلّ عامل مأخوذ بكسبه ومجازى على عمله ، [ فلا تظنّ ] اللّه عزّ وجلّ بتارك عبدا يوم القيامة أسرّ أمرا أو أعلنه من حركة في جوارحه أو [ همسة ] في قلبه دون أن يعرّفه إياه ويخبره به ، ثم يغفر ما شاء لمن يشاء ويعذّب من شاء بما يشاء . معنى الآية : وإن تظهروا ما في أنفسكم من [ المعاصي ] فتعملوه أي تضمروا إرادتها في أنفسكم فتخفوها يخبركم به ويحاسبكم عليه ، ثم يغفر لمن يشاء ويعذّب من يشاء . وهذا معنى قول الحسن ، والربيع ، وقيس بن أبي حازم ، ورواية الضحاك عن ابن عباس ، يدلّ عليه قوله تعالى :
وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا
« 2 » . وقال آخرون : معنى الآية إن اللّه تعالى يحاسب خلقه بجميع ما أبدوا من أعمالهم وأخفوه ، ويعاقبهم عليه غير أن معاقبته إيّاهم على ما أخفوه ممّا لم يعملوها ، بما يحدث في الدنيا من النوائب والمصائب والأمور التي يحزنون عليها ويألمون بها ، وهذا قول عائشة ، روي بأنّها سئلت عن هذه الآية فقالت : ما سألت عنها أحد فقد سألت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : « يا
هامش
( 1 ) أسباب النزول للواحدي : 61 . ( 2 ) سورة الإسراء : 36 .